أفلام عن قصص الحب المختنقة

 

 

ليس بإمكاننا اليوم، أن نقول بأنّ الحبّ هو أكثر الأمور تعقيدا في الحياة، لكنّ الأكيد أنّه شعور معقّد جدّا، لن ندخل في تفاصيل إن كان هذا الشّعور في حدّ ذاته هو المعقّد، لأنّه في الحقيقة تسمية لمجموعة لامتناهية من المشاعر الأخرى، أم أنّه يستمدّ تعقيده من عقد من يحملونه من الأشخاص وممّا تحتّمه طبيعة العلاقات أيضا.

 

ليس بإمكاننا أن نفهم كلّ هذا، لكن بإمكاننا أن نتفرّج على أفلام. ليس لأنّ السينما تحدّثت بما لا يمكن عدّه من الأفلام عن الحب، لكن لأنّ هناك أعمالا سينمائيّة خاصّة جدّا ومعيّنة، لم تكتف بسرد قصص حب، إنّما انطلقت في التفكير في هذه المسألة انطلاقا من حكايات استثنائيّة وغريبة، هي لا تخرج في الحقيقة عن المألوف، إنّما لا تخضع للمقاييس التي ورّثتنا إيّاها الأساطير والأفلام التجاريّة، فنعتبرها غريبة لكنّها ليست في الواقع كذلك.

 

نحن اذا، أمام جدليّة لم نجد ربّما الوقت لنتوقّف بشكل فعليّ أمامها، لكنّها تتجسّد بكلّيتها في السينما، وهي بين قصص الحبّ السويّة والطبيعيّة التي تتعرّض لبعض المشاكل الموضوعيّة وتنجح أخيرا بفضل تضحيات كلا الطرفين، وبقيّة القصص الشاذّة التي لا تتوفّر فيها شروط الفرح الدائم والنهايات السّعيدة.

نحن اليوم، ولنكون أكثر واقعيّة، في صفّ الصّنف الثاني من قصص الحب، نتبنى السّينما التي تفكّر، والتي توّزع على صورها وحواراتها وبناءها الدراميّ، تساؤلات وليس قوالب جاهزة، السينما التي تضع محلّ شكّ كلّ ما من شأنه أن يروّج إلى مشاعر استهلاكيّة وبالتالي مغلوطة، السّينما التي تفكّر.

لهذا وغيره، نستذكر أفلاما طبعت تاريخ السينما أو لم تفعل، ليس هذا المهمّ، هي أفلام جعلت ممّن شاهدوها يعيشون تجارب وجوديّة مختلفة تماما، تاركين الأحداث على جنب، متوغّلين في دواخل الشخصيّات، لامسين بأيديهم الحزن واللهفة والانتظار، هذه المشاعر التي تتحوّل إلى صور منحوتة بدقّة عالية ومدهشة، فيكون لكلّ تفصيل معنى وقيمة وأهميّة في نسج هذه القصّة وسردها، فماذا لو تكلّم بطلا In The Mood For Love أكثر؟ هل كنّا سنشعر بنفس الاختناق الذي شعرنا به حين شاهدنا الفيلم؟ طبعا لا، بل كان للكلام الكثير أن يزيل عن مشاعر التردّد والخوف التي تسيطر على كل من "شوو" و "سو-لي"، صدقها ووقعها الحاد على كلّ منهما. الصّمت المطلق والمحادثات القليلة والنادرة، اللقاءات الهادئة وتأمّل التفاصيل، العناقات المتردّدة واللّمس المختنق، الوقوف دوما على حافّة البكاء وعدم القدرة على الاعتراف، هي العناصر التي صنع بها الصينيّ وونغ كار واي Wang Kar Wai هذا الفيلم الكونيّ، دائم الوقع والتّأثير، جامع فيه بين رجل وامرأة كلاهما متزوّج، يعلّقان معا حبّهما على أزقّة المطر والصمت التي جمعتهما ويرحلان.

 

 

 

 

ثمّ ماذا لو لم يقدم بينيو Benigno على اغتصاب حبيبته النائمة آليسيا في Habla con ella، ربّما كانت ستبادل هذا الممرّض نفس المشاعر حين تستفيق من غيبوبتها، أو كانت على الأقلّ ستمنحه صداقتها اعترافا له بالجميل حين تعلم أنّه كان يحمّمها ويدلّكها ويروي لها القصص طوال سنوات غيبوبتها. كان كلّ هذا واردا، وكانت القصّة ستكون من بين أشدّ القصص استهلاكا وسطحيّة، فالأمور هنا تخرج عن الأخلاقيّ من عدمه، إنّما يذهب بها آلمودوفار Almodovar إلى عمقها الفكريّ، ليكون السؤال المطروح بشكل غير مباشر، وهو ماهي حدودنا اذا احببنا؟ أو علام يجعلنا الحب قادرين؟ . دخل بينيو السجن جرّاء فعلته وانتحر هناك، ولم تعلم حبيبته عنه شيئا حين استفاقت، هي ليست نهاية تراجيديّة، إنّما جزء من واقع كبير، لا مجال في وصفه للاستعارات الزائفة.

 

 

 

 

على عكس الفيلمين السّابقين، انتهى A short film about love بابتسامة. لقد ابتسمت ماغدا Magda حين تخيّلت نفسها مع توميك Tomek، الشاب العشرينيّ الذي يصغرها بسنين طويلة، لكنّه أمضى الكثير من الوقت متجٍسّسا عليها بمنظاره. هذا هو الإطار العام الذي وضعنا فيه كريستوف كيشلوفسكي، شاب يحي امرأة لم تعد تؤمن بالحب ولم يبق لها سوى الجنس لتواصل حياتها، كان شاهدا على كلّ خيباتها وأشكال العنف التي تعرّضت إليها وكان في حالة تأمل وانتظار أبديّة.

 

 

 

 

لن تتوقّف الأمور طبعا هنا، ففي السينما كما في العالم، كلّ القصص وكلّ التفاصيل، كلّ الخيبات والنجاحات، وفيها كما في الحياة، الحب هو أنبل المشاعر وأكثرها وقعا على حياة النّاس.

 

شيماء العبيدي
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Mercredi, février 14, 2018 - 17:15