اليوم العالمي لحرية الصحافة: أحمد ناجي ورائف بدوي مثالا

في اليوم العالمي لحرية الصحافة، هذا الحدث الذي خلق من أجل تفعيل دور الصحافة كعمل من شأنه أن يساهم في تأسيس، كغيره من العديد من الممارسات والاختصاصات الأخرى، في نشر الديمقراطية من خلال تكريس حق الشعوب في النفاذ للمعلومة. الصحافة أيضا، هي العين الخارجية، التي ترصد كلّ الأحداث بفكر نقديّ من شأنه أن يؤثّر في عقول النّاس بشكل موضوعيّ وعقلانيّ.

الصّحافة، هي فعل حرّ في ماهيته، ما يتنافى جذريّا والأحداث التي يشهدها العالم منذ زمن طويل تمسّ من قيمة هذا لعمل ومن شأنه. الأعمال وردود الأفعال التي تقلّل من قيمة الصحافة موجودة في شتّى بلاد العالم، لكنّها تتركّز خاصّة في بلدان العالم العربيّ، الذي لم تغيّر تقريبا ثوراته شيئا على هذا المستوى، بل وربّما زادت من وطئ هذا الفعل.

من البديهيّ أن تكون حريّة الصحافة مرتبطة بشكل جذريّ مع حريّة التعبير، هذا الحق المكفول في كلّ العالم، والذي شكّل محلّ شكّ وكان مصدر غضب كبير خلال العديد من المراحل الفاصلة في السنوات الأخيرة في العالم العربي. من المهمّ أن نعود على اثنين منها، مثّلتا منعرجا كبيرا في نظرة العالم لمسألة حرية الصّحافة في البلدان العربيّة، ومنعرجا أكبر وأهمّ، في علاقة الصحفيّين، المثقّفين والشبان الذين يعيشون عصر الثورات لجدوى تعبيرهم عن آراءهم، تداعياتها ومآل كلّ من يدلي بموقف حول ما يدور حوله، وخاصّة فيما يتعلّق بالصحافة الثقافية.

 

نحن نذكر جيّدا ما حدث للصحفي والروائي المصري أحمد ناجي، حين قام بنشر فصل من روايته "استخدام الحياة" في مجلة "أخبار ليوم" الأدبيّة. تعرّض ناجي حينها للإيقاف وحكم عليه بسنتين من السجن بالإضافة إلى إيقاف رئيس تحرير المجلة والحكم عليه بخطيّة قيمتها عشرة ألاف جنيها مصريّا. كانت قضيّة أحمد ناجي في 2014 شديدة الخطورة، لأنّ المسألة حينها تتجاوز السياسيّ، فقد تعوّدنا نوعا ما، بالرقابة المطلقة على كلّ ماهو تطرّق للشأن السياسيّ بالنّقد. الموقف المتّخذ ضدّ أحمد ناجي، لم تكن أسبابه إرهابا ولا تآمرا على أمن الدّولة، ولا حتّى نقدا موجّها لرئيس الدولة المصرية حينها ولا لحكومتها، الموقف كان أخلاقيّا بالأساس. لقد اعتبر المسؤولون حينها، بأنّ وردود مقاطع جنسيّة المضمون في نصّ ما، هو ضرب من الفحش واللاأخلاقيّة، وهو أمر يستحقّ سجن صاحبه ومنعه من الكتابة.

كان من قبيل الصدمة أن يحدث أمر كهذا في دولة كمصر، التي تربّت الكثير من الأجيال على مشاهد الشبق في أفلامها، بل هو البلد الذي أقام صناعته السينمائيّة على هذا الأساس، الحبّ. على عكس ما حصل في المملكة العربيّة السعوديّة مع رائف بدوي، أمر لا نستغربه كثيرا لكنّ هذا لا يمنع ضرورة التنديد به، من أجل المبدأ أوّلا وعلى أمل أن يتغيّر شيء ما في المستقبل. بدأت قصّة بدوي منذ كان صحفيّا لدى مجلّة "البلاد" وفي المجلّة الثقافيّة التابعة لقناة الجزيرة والتي كانت من بين أكثر المجلات قراءة في السعوديّة. تعرّض للكثير من النّقد بسبب التوجّه التحرّريّ لكتاباته إلى أن قام بتأسيس موقع الكتروني بعنوان "الشبكة الليبراليّة السعوديّة"، يؤسّس فيها لعمليّة تثقيف مواطنيّ بالأساس. لاقى حينها رائف اهتمام العديد ورفض الأغلبيّة التي من بينها رجال الدّين الذين قاموا بمراكمة لما حصل له فيما بعد. قام الشيخ محمد العريفي بتكريس خطبة جمعة كاملة حول موضوع رائف بدوي وموقعه الالكتروني متّهما فيها هذا الأخير بالجرأة على الدّين. كلّ هذا أدّى به في النهاية إلى الاعتقال والجلد والحكم بالسجن لعشر سنوات. كان لرائف بدوي أن يموت جرّاء التعذيب لولا تدخّل المنظمات العالميّة ومكوّنات المجتمع المدني في العالم، ما وضع السلطات السعودية في مأزق بين ضغط التيار السلفي المتشدّد وما تتطلّبه المواثيق الدولية من التزام.

 

في اليوم العالمي لحرية الصحافة، يجب أن نذكر بأنّ أحمد ناجي ورائف بدوي، هما نقطتان من بحر الرّقابة على الأقلام والأذهان، قد شكّل الدّفاع عنهما خطورة كبرى نحو الحصول على الحقّ الطبيعيّ في التعبير، وعلى كسر المسلّمات والحتميّات والإيمان بأنّ كلّ شيء يمكن أن يكون محلّ شكّ وانتقاد وتفكير.   

شيماء العبيدي
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Jeudi, mai 3, 2018 - 18:15