شادية، اقتطعت لنفسها من الزمن صورة لتخلد

 

ليس هناك أكثر قطيعة مع الزمن ووفاء للتاريخ، أكثر من التقاط صورة، هذا الفعل الذي يجسّد الثبات ويجعله ماديّا وملموسا وأبديّا. أن نلتقط صورة، ليس فعلا ماديّا فقط، هو أيضا فعل عقليّ محسوس، حيث لا يبق ببالنا من المشاهد المتحرّكة التي نراها يوميّا في الشارع أو في السينما سوى صور معيّنة اختارتها أذهاننا لتعلّقها على جدران ذاكرتنا، وهذا أيضا، هو فعل التقاط صورة.

 

هذا طبعا ليس تقديما للحديث عن الفوتوغرافيا في تاريخ الفنّ، بل هو محاولة فهم بسيطة، لقرار شادية المتعلّق بالاعتزال في وقت يعي الجميع أن مازال لها الكثير لتقدّمه للفنّ وأنّ عطاءها لم ينقطع بعد. الإعتزال  الذي لخّصت أسبابه حين قالت: «لأننى في عز مجدي أفكر في الأعتزال لا أريد أن أنتظر حتى تهجرني الأضواء بعد أن تنحسر عنى رويدًا رويدًا...لا أحب أن أقوم بدور الأمهات العجائز في الأفلام في المستقبل بعد أن تعود الناس أن يروني في دور البطلة الشابة، لا أحب أن يرى الناس التجاعيد في وجهي ويقارنون بين صورة الشابة التي عرفوها والعجوز التي سوف يشاهدونها، أريد أن يظل الناس محتفظين بأجمل صورة لي عندهم ولهذا فلن أنتظر حتى تعتزلني الأضواء وإنما سوف أهجرها في الوقت المناسب قبل أن تهتز صورتى في خيال الناس»

 

لا شيء يدعو للاستغراب هنا، شادية هي فنّانة لم تنطفئ الأضواء عنها منذ عرفتها، رافقت حياتها وظلّت تضيء كلّ درب حلّت عليه أقدامها. كيف لها إذا أن تقبل فكرة برود يصبغ لمعانها الدائم؟ كيف لها أن تخضع بعد كلّ ما قدّمته إلى منطق الاستهلاك، لتتحوّل إلى وجه يزيّن المعلّقات، فينجذب به المشاهد ويتبعه حتى قاعة العرض؟ كيف لها أن تتحوّل بعد تلك المسيرة إلى طعم؟ كلّ هذه الأسئلة وغيرها، لابدّ أنّها قد رافقت شادية منذ تعاملاتها الأولى مع الشهرة، لهذا قرّرت أن تقتطع لنفسها صورة من الزّمن وحركته،  صورة كبيرة ومتعدّدة الأوجه، فيها المرأة الذكية والصارمة، والبدوية الساذجة والقرويّة القويّة، فيها "الدلّوعة" الضاحكة و"المزّة" السّاحرة، صورة يحتفظ بها من أحبّوها فلا تنهار منتوجا عاديا بلا تاريخ.

لا يهمّ إن كان إسمها شادية أو فاطمة كمال شاكر. ما يهمّ، هو أنّها قد شاركت في أكثر من 110 فيلم خلال أربعين سنة من مسيرتها الشيّقة والمليئة بالشّغف والأسرار، لتخلد في أذهاننا صورة من الزمن الجميل لا يعوّض جمالها شيء.

شيماء العبيدي
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Mercredi, novembre 29, 2017 - 20:30