فادي أبو صلاح: "أطلب الموت تهب لك الحياة"
Fadi Abu Salah

منذ الأمس وحتى اليوم، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي بشكل مكثّف، صورة فوتوغرافيّة للشهيد الفلسطيني فادي أبو صلاح، التقطت له قبل استشهاده على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي بساعات. صورة مكتملة إلى حدود المثاليّة، تستوفي القواعد الجماليّة وتتضمّن ملخّصا للوضع الرّاهن في دولة فلسطين.

يقول صديقي المخرج السينمائي: "لو كانت لقطة في فيلم، لما حصلت بتلك البراعة"، وأقول لو كانت لقطة من فيلم، لتوفّرت من أجل تحقيقها كلّ الوسائل الفنية والتقنيّة ولسخّرت جميعها حتى تجعل منها صورة مثيرة. ليس هناك خلفية موسيقيّة لهذه الصورة، ليس الدخان في حالة تصاعد ولن نعرف شيئا عمّا سبق هذا المشهد أو ما تلاه. كلّ هذا يجعلنا نتجاوز التعريف التقني لهذه الصورة (صورة فوتوغرافية) لنجد أنفسنا أمام أمر واقع، قد توقّف في الزّمن والحركة حتّى يمنحنا فرصة لاستجماع أبعاده التي تكاثرت لدرجة وجبت إعادة التفكير فيها.

قبل تقديم قراءة لهذه الصّورة، وجب الحديث عن بطلها، فادي أبو صالح، هذا الثلاثينيّ، الذي كان حاضرا في جلّ الاحتجاجات والمواجهات التي قادها الشعب الفلسطينيّ ضدّ عدوّه القديم جدّا. بترت قدماه سنة 2008 في حرب غزّة، دون أن يشكّل ذلك عائقا أمام مواصلته الحياة حيث تزوّج وأصبح أبا لخمسة أطفال. التقطت هذه الصّورة لفادي أبو صلاح خلال المواجهات الأخيرة بين المتظاهرين الفلسطينيّين وقوات الاحتلال والتي انجرّ عنها مقتل العشرات وجرح الآلاف من المحتجّين. صورة تقول الكثير، حيث لا يمكن قراءتها من خلال ما تظهر فقط، إنّما من خلال ما تخفي أيضا.

التقطت الصّورة في مكان قاحل (أرض متصحّرة) نجد في مقدّمتها (Avant -Plan) رجلا ثلاثينيّا، ذو ساقين مبتورتين، يجلس على كرسيّه المتحرّك، رافعا يدا عاجزة وحاملا بيده الأخرى مقلاعا. هو بصدد قذف أحدهم بالحجارة. في خلفيّة الصورة (Arrière - Plan) نجد نارا مشتعلة تفرز دخانا أسودا وكثيفا جدّا.

في هذه الصّورة هناك إجابة عن سؤال قديم، وهو أين يكمن الفرق بين صورة عاديّة وصورة فنيّة؟ يجيبنا مصوّر فادي: "يجب اتّخاذها في الوقت الصّحيح"، فرغم أنّ هدفها توثيقيّ بالأساس، إلّا أنّ هذا الانسجام العظيم بين مكوّناتها يجعل منها أثرا فنيّا، فقد اتّخذت نظرة فادي نفس الوجهة والدخان المتدفّق من النّار الذي اتّخذ بدوره شكلا حلزونيّا شبيها بعجلات كرسيّ فادي المتحرّك.

كلّ هذه العناصر، تقدّم صورة فادي في شكل مثاليّ، لكنّها ليست قادرة على أن تكسب الصّورة معناها دون الاستعانة بما يقع خارج الصّورة (Le hors Champs)، أي بالسّياق الذي اتّخذت فيه.

في خارج الإطار، نجدا في البداية تاريخا مطوّلا من جرائم الحرب، عنفا، قتلا، أسرا وإرهابا، نجد سبعين سنة من سلب شعب لأرضه وهويّته، أي سبعة عقود من الاغتصاب بجميع معانيه وأبعاده. في الوجه المقابل لكلّ هذا، نجد سنوات المقاومة والنّضال، نجد الإصرار على البقاء بكرامة وافتكاك الحريّة، نجد مراكمة للحقد على العدو ولحب الحياة. نجد أيضا راهنا مكثّفا بالأحداث التي وصلت إلى السرياليّة في لامعناها وفي لاإنسانيّتها، انطلقت بإعلان دونالد ترامب عن اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل وانتهت بقرار نقل سفارة الولايات المتّحدة الأمريكيّة من تل أبيب إلى القدس. كلّ هذه الأعمال الاستفزازيّة، أدّت بالفلسطينيّين إلى حالة من السّخط التي دفعتهم إلى الاحتجاج.

في عودتنا إلى ما يظهر في الصّورة، سنجد كلّ ما قمنا بذكره الآن متجسّدا بشكل رمزيّ في مكوّنات هذا المشهد.

فادي أبو صلاح، هو صورة لشعب أعزل، لم تنصفه في حربه من أجل أرضه سوى الحجارة، شعب بترته القوانين الدوليّة والمواقف الإقليمية المتخاذلة في حقّه. أمّا النّار، فبدخانها الكثيف جدّا نعلم بأنّها قد أضرمت منذ سبعين سنة وأصبح إطفاؤها أمرا عسيرا جدّا. تمّ اتّخاذ الصّورة في وضح النّهار، لأنّ كلّ شيء يحصل على مرأى العالم وأمام ناظريه دون أن يحرّك ساكنا، على أرض عتيقة تفقد نظارتها يوما بعد يوم.

تنطبق على فادي أبو صلاح مقولة هيقل "أطلب الموت تهب لك الحياة"، لأنّه ككلّ طالب لحريّته وباحثا عن إنسانيّته كان مستعدّا للموت الذي ناله فعلا، لكنّه بقي حيّا من خلال هذه الصّورة والصّور الأخرى التي ستخلّد ذكراه دوما، رمزا للمقاومة وبطلا في زمن فيه من الجبناء الكثير.

 

 

شيماء العبيدي
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Mardi, mai 15, 2018 - 21:00