مقابلة مع شيرين نشأت: "الشّكل يأتي أوّلا"

 

 

شيرين نشأت، هي مختصّة في فن الفيديو، مصوّرة فوتوغرافيّة وسينمائيّة إيرانيّة. درست الفن في الولايات المتّحدة الأمريكيّة وعرفت من خلال أعمالها الفنيّة بمواقفها المتعلّقة بحقوق المرأة، والدين والسياسة في إيران والعالم العربي. 

"امرأة دون رجل" هو فيلمها الطويل الأول الذي حصلت من خلاله على جائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية السينمائي، و"البحث عن أم كلثوم" هو فيلمها الثاني الذي حصل على العديد من التتويجات في العالم وقد افتتح مهرجان قابي للسينما. كان لنا لقاء مع شيرين نشأت للحديث عن لأعمالها وعمّا وراء هذه الابداعات.

لقد كان والدك متأثرا بشكل كبير بالثقافة الغربيّة، وقد تأثرت كثيرا بهذا الموقف الثقافي رغم أنّكم تعيشون في بلدة محافظة في إيران، إلى أيّ مدى أثّر هذا التوجّه في أعمالك الفنيّة فيما بعد؟

نعم، لقد عشت في قطيعة بين عائلتي وخاصة أبي الذي كان مثقّفا ومتفتّحا جدّا، يسافر كثيرا ويكتشف العالم، وبين بلدتي التي كان أهلها محافظون جدّا. المسألة كانت معقّدة جدّا، متأرجحة بين الرغبة في أن أكون فردا مستقلّا بذاته يحاول اكتشاف العالم، وبين الحياة في بلدتي الصغيرة التي تتّخذ بعدا دينيّا كبيرا. كان أبي يفكّر بشكل أكبر ممّا كنّا نعيشه، كان حالما. أظنّ أنّ هذا ما أثّر فيّا كثيرا، التفكير خارج القرية الصغيرة التي أقطنها.

لقد عشت "الثورة" الإيرانية من بعيد، عند دراستك في الولايات المتحدة الأمريكية، هل ساعدك هذا على رؤية الأمور بشكل أوضح في إيران أم أنّه كان بالعكس سبب خلط بالنسبة لك؟

 

قبل خروجي من إيران، كان لديّ الكثير من الأصدقاء ذوي التوجهات الإسلامية، والكثير منهم كان ناشطا في عمليّات التحضير لهذه الثورة، لذلك كنت بطريقة ما حاضرة في تأسيس هذه القاعدة، عندما أصبحوا جميعا منتمين لهذه الجماعات، حينها غادرت إيران. ثم عدت بعد سنوات طويلة. كان البلد قد تغيّر كثيرا حينها، وكنت محبطة جدّا، لأنّ البلد أعرفه لم يبق كما كان، ولم يعد هناك "جمهورية إيرانية". لكنّها كانت فرصة لأجتمع مرّة أخرى مع عائلتي بعد إثني عشر عاما من الغياب بسبب حرب العراق، وقطع العلاقات مع ألولايات المتحدة الأمريكيّة، ثمّ الثورة.

عندما عدت لإيران تمكّنت من فهم حقيقة من حصل، لكن عندما كنت بعيدة، كنت أشعر بالوحدة وبكثير من الألم. كان أهلي محبوسون في إيران بسبب الحرب وكنت كذلك في أمريكيا، فكنت مجبرة على اتخاذ قرارات حاسمة وأن أتحمّل مسؤوليّة حياتي بمفردي، كان أمرا شديد الصعوبة خاصّة بالمقارنة مع سنّي الصغيرة، لكن لم تكن لديّ أيّة خيارات سوى التأقلم مع ذلك الوضع.

أضنّ بأنّ أعمالي الفنيّة هي نتاج كلّ ما حدّثتك عنه الآن، هي نتاج ذلك التشرذم الذي عشته بين بلدين مختلفين وثقافتين مختلفتين جدّا.

 

"نساء الله"، ليس عملك الفنيّ الأوّل، سبقته أعمال أخرى قمت بتحطيمها، لماذا؟

 

كنت في المدرسة، كنت أرسم ولم أكن سعيدة بما أفعل, لأني شعرت بأن رسوماتي كانت مليئة بالكليشيهات ولم أكن ناضجة حينها بعد.ذهبت فيما بعد إلى أمريكيا ودرست هناك. أضنّ قمت بالخيار الصحيح، لأنيّ الآن لا أتسامح مع الرداءة. أعتبر أني انطلاقتي الفعلية كانت مع "نساء الله" كعملي جدي وناضج.

 

نساء الله" مرة أخرى، هل كان هذا العمل نتاجا لصدمة كنت قد تلقيتها عند عودتك لإيران واكتشافك لذلك التغيّر الجذري على مستوى السياسة والمجتمع، وخاصة وضع المرأة؟

 

بالطبع، هو عمل يدور حول تلك الثورة، قمت فيه بتجسيد رأيي وفهمي وفضولي حول النساء اللواتي يحملن قناعات دينية متطرّفة، وكن قادرات على التضحية بحياتهنّ واقتراف جرائم من أجل الدفاع عمّا يعتبرنه قدرا، وهو موضوع مهمّ جدّا بالنسبة لي، فإذا كان عليّ الاختيار بين العديد من المواضيع سأختار نضالات المرأة في إيران. أريد بالذات معالجة هذه المفارقة وهي أن المرأة في إيران تتم معاملتها كمواطن من الدرجة الثانية، لكن عندما يتعلّق الأمر بالحرب، تقدّم لها الأسلحة. أجد هذا مستفزّا للفضول، خاصة على المستوى المفهومي. هناك العديد ممّن عاشوا خلطا وسوء فهم كبيرين لعملي، ولم يفهموا إن كنت أدعم هؤلاء النّساء اللواتي قمت بتصويرهنّ أم أنّني في الحقيقة اقف ضدّهم. لكنّي في الحقيقة كنت أرغب في فكّ لغز هذه المفارقة بين المرأة التي تهب الحياة، وهي في نفس الآن قادرة على القتل.

 

mqbl_m_shyryn_nsht_lshwkl_yty_wwl1.jpg

 

أعمالك الفنيّة، هي أعمال مستفزّة للتفكير، لكنّها لم تكن يوما محلّ جدل، رغم أنّك حاملة لمواقف حادّة وراديكاليّة. ماهو سر النجاح في هذه المعادلة؟

 

شكرا لقولك هذا، أضن أنّه ليس على الفن أن يكون مدعاة للجدل أو أن يكون فضائحيّا، هذه دعاية. موقفي الخاص يتجسّد في طرح الأسئلة. فمثلا في فيديو Turbulent، كنت أصوّر امرأة تغنيّ، هو طرح نقيّ في الحقيقة لكنّه لا يبدو كذلك. في العموم، أحاول خرق الحدود لكنّي لا أدّعي تعليم الناس ما الصحيح وما الخطأ، هذا أمر يتعلّمونه بأنفسهم، لأني أحترم آراء كلّ الناس.

 

Turbulent، هل تفكّرين من خلال هذا الفيديو، أنّ صوت المرأة في العالم العربي من شأنه أن يعلو يوما ما؟

 

قراءة مهمّة، لأن هذا الفيديو هو ما جعلني أفكّر جدّيا في فيلم "البحث عن أم كلثوم". لأنّ صوت المرأة هو صوت قويّ جدّا، وهو قادر على أن يجعل منها قويّة، ناجحة ومنتصرة، وهو يخترق كل الحدود التي تواجهها المرأة. ففي Turbulent، طغى صوت المرأة رغم أنّها كانت تغنيّ دون حضور أي جمهور.

 

 

 

 

هل يمكن أن نستنتج، أنّك تستندين في أعمالك على الشكل وعلى الجماليات أكثر من أيّ شيء آخر في عملك، هل يكمن السر في الخيارات الجماليّة والتقنيات التي تستغلّينها في قول ما تريدين قوله؟

 

أكيد. هناك العديد يقوم بنقد أعمالي الفنية على أنها سياسيّة وذات مواقف نسويّة، وكنت دوما أجيب بأنّ ما يأتي أوّلا هو الشّكل. بالنسبة لي أن فنّانة أوّلا، امرأة فنّانة ثانية وامرأة إيرانيّة فنّانة ثالثا. أريد دوما تفسير خياراتي الفنيّة تأتي أوّلا، تلك هي طريقتي في سرد القصص وفي الوصول إلى الجمهور. أنت على حق، لأنّي أعتقد بأني الأغلبيّة لا تولي أهميّة لقيمة الشكل.

 

أنت فنانة فوتوغرافية، سينمائيّة ومختصّة في فنّ الفيديو، أيّ من هذه الفنون يؤثّر في البقيّة بشكل أكبر؟

 

أضنّ بأنّه مزيج في الحقيقة. أنا مصوّرة فوتوغرافيّة قلبا، لكنّني أيضا ساردة قصص. الفيديو يمنحني حريّة الحركة واستغلال الفضاء، بالإضافة إلى الموسيقى. المشكلة مع الفوتوغرافيا هو أنّك تلتقط لحضة واحدة، لكنّ في الفيديو يمكنك أن تمضي لحظات مع الجمهور، ويمكنك أن تجعلهم يعيشون تجربة.

 

تشتغلين كثيرا على التناقضات في أعمالك (مرأة/رجل، أبيض/ أسود، ضوء/ وعتمة)، هل تؤمنين كثيرا بالثنائيّات؟

 

هذا هو قلب كلّ أعمالي. لا أذكر أني قمت يوما بعمل خارج فكرة الثنائيّة. الجمال والضلمة، العنف والإبادة مع الروحانية، الحزن والشاعريّة… أضنّ أنّ عملي هو استبطان للتشرذم الذي كنت أعيشه وما يحتويه من أسئلة وجوديّة تتأرجح بدورها بين أسئلتي الشخصيّة والأسئلة المتعلّقة بالعالم.

 

كيف كان لقاؤك الأوّل مع السّينما وكيف دخلت إلى هذا العالم؟

 

كما تعلمين، أن أعيش مع حبيبي منذ عشرين سنة، هو سينمائيّ، وهو من جعلني أكتشف هذا العالم، فعشت عمليّة تطوّر طبيعيّ في علاقتي بالسّينما. أحببت السينما كثيرا وصرت في ألفة كبيرة مع كبار المخرجين.

 

كيف عشت الانتقال من تصوير الفيديو بإمكانيّات ضئيلة جدّا، إلى الإنتاج السّينمائي الضخم إن صحّ التعبير؟ وفي أي حالة منهما تشعرين بحريّة فنيّة أكبر؟

 

في تصوير الفيديو أشعر بحريّة أكبر، لكن السينما بالنسبة لي هو إنجاز كبير جدّا.

 

 

 

 

في فيلم "البحث عن أم كلثوم"، طرحت قضية هامّة في عالم السّينما وهي مسألة الدّعم والتمويل بشكل مباشر. حيث لاحظنا وجود مموّلين يتدخّلون في خيارات المخرج لما يتماشى ومصالحهم الشخصية. هل عانيت من هذا الأمر كمخرجة سينمائيّة؟

« البحث عن أم كلثوم" كان مشروعا طموحا جدّا ومعقّد في آن. هو يتحدّث عن قصّة مصريّة لمخرجة إيرانيّة وتمّ تصويره في المغرب. كان من الصعب جدّا إيجاد تمويل والموافقة على القصة.

نعم تعرّضت لبعض من هذه المواقف، لكنّي أيضا اشتغلت في جوّ عائليّ. في النهاية يجب على المخرج أن يجد المنتج الصحيح.

 

ست سنوات من التحضير، أي من المراحل اتّخذت أكثر وقت؟

 

لقد اتخذنا أربع سنوات في الكتابة.

 

فيلم وسط فيلم، هل هو تأثر بكياروستامي؟

 

إنّه أحد أهمّ المخرجين بالنسبة لي والمفضّلين لدي. تعلّمت منه الرغبة في التجريب السينمائي.

 

 

هناك ثلاثة تونسيّين في فيلمك، كيف كان العمل معهم؟

 

كان مهمّا جدّا. أمين بوحافة هو فنّان حقيقيّ، ونور قمر كانت اكتشافا بالنسبة لي، كما كان العمل مع نادية شيّقا وجدّيا في التركيب.

 

 

شيماء العبيدي
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Dimanche, avril 22, 2018 - 18:45