ملتقى الرديف للأفلام الوثائقيّة: تغيب الدولة ويبقى الفعل الثقافي

تبعد مدينة الرديف عن وسط قفصة بحوالي تسعين كيلومترا، مسافة من السّهل احتسابها وربطها برقم واضح ومحدّد. لكنّها تبقى الشيء الوحيد الذي من الممكن تحديده، أمّا الباقي، فمحاولة الفهم هي عبث محض.

 

تزدحم الطريق إلى الرديف بالفراغ. قفار تام محزن ومغر في آن. هذه هي المفارقة الأولى، الفخ الأوّل. أنت لا تجد قدرة على تحديد موقفك أو شعورك، ولا تعلم من أيّ زاوية يجب أن تتعامل مع الأمر لتتساءل أخيرا : كيف لكلّ هذا الجمال الممتدّ على مساحات شاسعة من جبال أزليّة المدى، أن يكون بهذه القسوة على من يحيطون به؟

 

نحن في الرديف أين المساحة كما قلنا محسوبة بدقّة، وأين توقّف الزّمن منذ عقود طويلة. هنا أوّل قاعة سينما، أول ملعب تنس وأول سكة ترامواي وأوّل أشياء كثيرة كانت لتجعل من المكان منطقة تحترم سكانها ويحترمونها، وهنا عجز تام وخوف دفين ورغبات في الانعتاق تجدّدت حتى تلاشت.

 

سيكون حديثا مطوّلا جدّا اذا حاولنا فهم المراكمات التاريخيّة التي أدّت بهذا المكان الى هذه الحال، لكنّ الأمر ربّما أسهل على سكان المنطقة، حيث لخّصه سائق التاكسي بقوله : لم تضف كل أنظمة ما بعد الاستعمار، شيئا على ما تركه هذا الأخير".

 

أشبه بمدينة محاصرة، لم يجرؤ تقريبا أحد على اختراق الرديف مكتشفا كان أو صاحب مشروع أو هدف. هو خوف متبادل، مدينة تمّ تخويفنا منها وتم تخويف أهلها منّا، وتحقّقت القطيعة التامة.

 

لكن هنا، كائنات هشّة، طيّبة، لا تسمح بالاستخفاف بذكائها ويتطلّب كسب ثقتها مجهودا كبيرا وصدقا أكبر. هنا أناس بأوراق مكشوفة، وبحساسيّة عالية للنفاق والاستعلاء.

 

ليس كلّ هذا لوصف المكان، هو أمر سنعود إليه بتفاصيل أكثر فيما بعد، لكنّها محاولة لبسط ولو مختصر للإطار العام الذي يتمّ صلبه تنظيم ملتقى الرديف للأفلام الوثائقيّة . لسنا أيضا نتحدّث عن مجرّد مغامرة، ولا عن مشروع مسقط يأتي به أناس مختلفون عن المكان، وهو ليس مهرجانا كما يصرّ منظموه. هو في البداية منطلق لقناعات عدّة، أوّلها أنّنا جميعا متشابهون، ولا فرق بيننا سوى في ما وطأت به السياسة على السياقات التي وجدنا فيها. ثانيها، هو إيمان حقيقيّ بما يحمل هؤلاء الناس من طاقة ورغبة في التغيير. ثالثها وليس الأخير، هي رمزية هذا المكان وعلاقته الوطيدة بفعل المقاومة منذ زمن الاستعمار مرورا بالاستقلال وبالثورة إلى هذه اللحظة.

 

تتعدّد الأسباب دون أن تنتهي، لكنّها تتلخّص في كونها عمليّة اندماج مدروس في وسط قاس، لتضخّ فيه دماء جديدة من المتعة والتفكير، ثم الفعل الثقافي.

 

من الواضح أنّ الأمر، هو على درجة عالية من الصعوبة والتعقيد، بأيّ خطاب من الممكن أن يتوجّه المنظمون لهذه المجموعة الحساسة جدا من الناس؟ وأيّ برمجة ملائمة يشعرون خلالها بشبه وألفة؟

 

تظهر الأجوبة في كلّ تفاصيل الملتقى، نحن في البداية أمام برمجة محكمة الفكرة والموضوع، بمجموعة من الأفلام التي تلامس قضايا يعايشها أبناء الرديف كلّ يوم، لتكون الصورة شباكا على عالم بعيد ومألوف، أفلام تتحدّث عن الثورات التي يعرفها أبناء المنطقة جيدا وخبروها منذ سنوات قليلة. بالإضافة إلى هذا، هي ليست زيارة سنوية مع عروض سينمائيّة وانتهى، إنّما هي عبارة عن دورة تدريبيّة في العديد من المستويات، منها الغير مباشر كنقاش الأفلام، ومنها المباشر كالورشات المقدّمة لشباب المنطقة، في اختصاصات مختلفة من التقنيات السينمائية. أمّا الإجابة الأخيرة، فهي مشروع تكوين نادي سينما بالجهة، يشتغل على طوال السنة، فلا يقع الملتقى في المناسباتيّة ويحقّق هدف الاستمرارية والمتابعة.

 

ملتقى الرديف للأفلام الوثائقية، هو من تنظيم مؤسسة روزا لوكسومبورغ وجمعية نوماد 08، تقوده تفكيرا وتطبيقا على أرض الواقع، مجموعة من السينمائيّين في تونس. وهو، أبعد من ذلك، قناعة بضرورة المرور إلى الفعل والمسك بزمام الأمور، في ظلّ غياب مريب لكلّ مؤسسات السلطة.

شيماء العبيدي
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Vendredi, décembre 22, 2017 - 16:00