مهرجان قابس للسينما : تظاهرة سينمائيّة بمقاييس أخرى

 

 

بالأمس، كان افتتاح مهرجان قابس للسينما في دورته الثالثة. دورة لا تنطلق باسم جديد فقط إنّما بروح وفلسفة جديدة أيضا. ليس من الإجحاف الحديث عن فلسفة هنا، فهي أمر تسهل ملاحظته عند التمعّن في البرمجة التي تعكس توجها فكريّا وجماليّا في آن، وتؤسّس إلى تظاهرة سينمائيّة من شأنها أن تكون منصّة تجتمع فيها التجارب الاستثنائية في السينما العربيّة. تجارب أصبحت مكثّفة ومتعدّدة في السنوات الأخيرة، تشكلّ موجة جديدة لا يزال الوعي بها محدودا ونادرا.

 

في هذه المرحلة من التأمل في واقع السينما العربيّة (سينما المؤلف والسينما المستقلة) وجب القول بأن الثورات والأحداث الحاصلة في المنطقة قد فجّرت أفكارا وتوجّهات استيتيقيّة، هي بمثابة منعرج تاريخيّ، في حياة الإبداع السمعي البصري وليس فقط السينما. هذه الثورة الفنيّة، أنتجت أسماء لامعة في التظاهرات السينمائيّة العالميّة أكثر من العربيّة، من خلال تتويجات متعدّدة تجعل منها منافسة لأكبر الإنتاجات في العالم. لهذه الأسباب وغيرها، وجد مهرجان قابس للسينما بوعي أنّ المقاييس الجماليّة قد تغيّرت، ووجب متابعتها حتى لا يتجاوزنا كلّ من الزّمن والفنّ.

 

من خلال حفل الافتتاح، تمّ الإعلان عن الرّوح الجديدة للمهرجان، روح شبابيّة بامتياز، قابسيّة قبل ذلك وعربيّة تنفتح على أجمل ما حصل في العالم من إبداعات سينمائيّة. أمّا عن روح المهرجان الفنيّة، فلا يمكن أن نتصوّر اختيارا أفضل من "فيلم البحث عن أم كلثوم" لشرين نشأت كي يعبّر عنها ويجسّدها.

قبل أن نتحدّث عن اختيار الفيلم، يجب أن نتوقّف عند اختيار المخرجة. شيرين نشأت، هي رائدة تجربة استثنائيّة في التصوير الفوتوغرافي، فن الفيديو والسينما. تحمل شيرين قضايا المرأة، السياسة والمجتمع والدين على كاهلها في كلّ عمل تقوم به، متأثرة في ذلك بالوضع السياسيّ والمجتمعيّ في إيران (بلدها الأم) وفي العالم العربي، وبما تعيشه المرأة خاصة هناك. ذات مبادئ نسويّة ومواقف ثوريّة في علاقة بحقوق المرأة، لم تكن يوما محلّ جدل أو نقد، فمن خلال الشكل والخيارات الجماليّة، تجعل شيرين من أعمالها استفزازيّة ليس للتشنّج إنّما للتفكير والتأمّل.

« البحث عن أم كلثوم"، هو فيلم يغرق فيه التجريب السينمائي في فنّ السرد من خلال الصورة، فتشعر عند مشاهدته بأشياء غريبة تحصل على مستوى التقنيات لكنّك تشعر بألفة في الآن نفسه.

عند قراءة العنوان، يخطر ببال المشاهد أنّه بصدد فيلم عن سيرة أم كلثوم الذاتية، لكنّ مع بداية الفيلم، نكتشف أنّه عن مخرجة تحاول تصوير فيلم عن أم كلثوم فنتابع معها رحلة بحثها بأبعاد مختلفة تمشي معا في تناسق مطلق، فنتأثّر بهواجس صنّاع الصّورة وعلاقتهم الغريبة بما يفعلون، نكتشف أم كلثوم من زاوية مختلفة، هي زاوية طرح السؤال، ونتعرّف في خضمّ كلّ هذا عمّا يمكن لامرأة أن تتعرّض له من مواقف ذكورية في عالم فنيّ "ذكوريّ" هو الآخر. فيلم أنيق ومتكامل، تفرض فيه الصّورة قوّتها العظمى وتنسجم مع النصّ وموسيقى أمين بوحافة والتمثيل.

 

لا تتوقّف الأمور عند فيلم الافتتاح، فكما تحدّثنا عن برمجة المسابقة الرسميّة التي تأتينا بأفلام تنتصر للفرد في محتواها، بواقعيّة وحساسيّة مفرطتين، تختلف جماليّا وتجتمع في آن، في تفاصيل حسيّة نحن نعيشها كلّ يوم ولا نواجهها، هي تعبّر ربّما، بلغتها الخاصة، عن معيش مختنق ومهترئ كذلك الذي نحن بصدد نكرانه، هي الأقرب إلى قلوبنا كمستهلكين، نطلب الأدنى الفكريّ والحسيّ فيما نشاهد.

كذلك هي التكريمات، اختيارات تقدّم بعضا من استثناءات السينما العربيّة، يمكن لسنيمائيّي هذه الحقبة أن يروا أنفسهم فيها، فهم أناس قد سبقوا عصورهم بكثير، من بينهم السينمائي السوري الكبر عمر أميرالاي، من خلال أربعة أفلام: « وهناك أشياء كثيرة يمكن أن يتحدّث عنها المرء"، "في يوم من أيام العنف العادي… صديقي ميشيل سورا.. »، "طوفان في بلاد البعث" و "الحياة اليومية في قرية سورية".

كلّ ما تبقّى، هو أن نأمل لهذه التجربة حياة طويلة وأبديّة، ليس فقط كتظاهرة إنّما كفكرة لا يجب إجهاضها كشأن العديد من الأفكار الأخرى.

 

شيماء العبيدي
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Samedi, avril 21, 2018 - 19:30