"هدْمْ" لسحر العشّي وسيف فرج: هدم لكلّ ما نعرفه عن "الشّارع"

 "أمّا المدينة، فهي تابوت كبير للرغبات"

 

ليس هناك أفضل من مقولة عبد الرحمن منيف في كتابه العظيم "قصّة حب مجوسيّة" ، التي ستساعدنا على الغوص ضمن خواطر كلّ من سحر العشّي وسيف فرج، اللّذان، يقدّمان معا أوّل معرض خاص للصور الفوتوغرافية في مسيرة كليهما، يوم 05 ماي 2018 في سوسة، بعنوان "هدم Démolition".

 

"هدم"، عنوان مستفزّ، يعيدنا للكثير من النظريات الفلسفيّة وحتى الجماليّة التي تجعل من هذا الفعل الوسيلة الوحيدة من أجل البناء، البناء الحقيقيّ والصّحيح. انطلاقا من المدينة وتوغّلا في أعماقها، يصنع هذا الثنائي فنّه المتوقّف عند اللحظات المتروكة والمنسيّة في الشّوارع، كما لو أنّ فعل الهدم، هو الحلّ الوحيد من أجل تفجير كلّ الرّغبات المكبوتة وتحريرها ن سجنها الاجتماعيّ والأخلاقيّ وحتى السياسيّ. الكثير من الأسئلة يستفزّها العنوان أيضا، هل الهدم هو راهننا المحتوم؟ كلّ أركان هوّيتنا وكينونتنا المحطّمة بفعل الإرادة التدميريّة لقادتنا؟ هل هو مستقبلنا القريب أو البعيد؟ أم أنّه الحلّ؟ إن كان الهدم هو الحلّ، فالأكيد أنّه ليس حلّا وسطا إنّما توجّه راديكاليّ، له كلّ شرعيّة الطرح والتّنفيذ، في واقع تجاوز كلّ حدود العبث والسرياليّة في تمظهراته وتداعياته على كلّ من يتقاسمون العيش تحت ظلاله.

 

سيف فرج، لم يتفاجئ المقرّبون منه عند المعرفة بخبر تخلّيه عن دراسة الطب من أجل السّينما والتّصوير الفوتوغرافي، فكيف لهذه الرّوح المنعتقة من كلّ أغلال النمطيّة أن تقبل العيش ضمن سجن الدّراسة والمجتمع. سيف هو صنيعة الشّارع بكلّ تناقضاته، وللشّارع يقدّم عمله الأوّل الذي تتوقّف كلّ صورة فيه عند هامش ما، أو بالأحرى، مهمّش ما. يقول سيف في تقديمه لهذا العملالشيء الوحيد الذي يجمع بين الصور التي استغرقت سنتين في اصطيادها، هو الشارع، وكلّ ما يعتبر "قبيحا" في هذه الشوارع"، ثمّ يواصل "أشعر بانتماء كبير إلى هذا العالم، وطالما رغبت في أن أكون صوته من خلال ما أقدّمه من فنّ".

 

hdm_lshr_lshwy_wsyf_frj.jpg

Crédit: Saif Fradj

إذا كان فعل الهدم الذي يقترحه سيف فرج سيخلّف الكثير من الغبار، فإنّ سحر العشّي، شريكته في المعرض، ستأتي بأمطارها حتى تهدئ من روع الغبار وتخلق مجالا للتنفّس وسط جوّ من الاختناق نعيشه كلّ يوم. جامعة بين التصميم الغرافيكي والسينما، تبتعد سحر عن سيف في الخيارات الجماليّة وفي مكوّنات العالم الذي تقترحه، لكنّها حتما تشاركه الموقف. إذا كان سيف سيهدم بطريقته الخاصّة، فإنّ سحر ستميل نحو "المحو"، لتبيّن لنا اضمحلالنا كذوات وغرقنا وسط الكثرة، وسط المجموعة. « أحيانا يمرّ انعكاس ضوء أو قطرة ماء على البلوّر، تمتزج مع الموضوع، إلى درجة خلق شكل يتجاوز حدود التجريد بإشعاعه واستثنائيّته"، بهذه الطريقة تصف سحر العشّي ما يشدّ انتباهها وما يستفزّ كاميرا هاتفها الذكي، مرافقها الأوّل في رحلة رصد الواقع من وراء بلّور السيارات والقطارات.

 

1hdm_lshr_lshwy_wsyf_frj.jpg

Crédit: Sahar Echi  

يوم 05 ماي في قبو معرض "البيرو" في مدينة سوسة، سنشاهد عن كثب، بداية فنّ قريب منّا وسنتقاسم مع فنّانين تجربتهما، تجربة نحن بحاجة إليها كما نحن بحاجة إلى مثل هؤلاء المبدعين الذين يحملون معهم هواجسنا وتساؤلاتنا. سنراقب أيضا عن قرب مساوئنا، فردانيّتنا المفرطة وتجاهلنا المكثّف لما يحيط بنا، وسنعلم جيّدا ماذا فعلت بنا السّرعة وعصرها.

 

شيماء العبيدي
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Mercredi, mai 2, 2018 - 18:15