"العودة" لنيسان قسنطيني: للحركة حظّ الثّابتين

 

إن كان للفوتوغرافيا سلطة إيقاف الزّمن وتجميده في لحظة واحدة، فإنّ للفيديو سلطة اقتطاع جزء من الزّمن وإعادة تركيبه بما من شأنه أن يروي قصّة، وأن يحرّك؛ يحرك الوقت، يحرّك الثّابت، ويمنح الزّمن الكافي للحركة، حتى تثبت أو تسير. إن كانت الصورة الفوتوغرافية تدعونا للتوقّف أمامها والنظر إليها، فإنّ الفيديو يدعونا للتوقّف بداخله، لنعيش في ذلك الزمن الموازي مع القدرة على لمسه وفهمه والشعور به بفضل تماهيه المطلق مع الحركة والفضاء.

 

"العودةRevenir" لنيسان قسنطيني كان من بين مجموعة الفيديوهات المعروضة في الكازما في إطار مهرجان قابس للسينما، وجدنا فيه مثالا حيّا لهذه الجدليّة بين الصورة الفوتوغرافيّة والفيديو، وأكثر من ذلك، هو يغوص بنا في تجربة حسيّة تجعلنا في حوار مباشر مع المفاهيم والتناقضات، من الموضوعين المصوّرين ونجد أنفسنا في الخيط الفاصل بينهما، ونجد أنّ كلّ شيء يحدث في عمليّة الانتقال من الصورة الأولى، إلى الصورة الثانية.

 

تبدأ الفيديو بلقطة عريضة، تحمل مجموعة من الأطفال مع كهل مستعدّين لالتقاط صورة. نحن أمام صورة من الأرشيف عادية ومن نوع مألوف جدّا. لا نشعر بشيء حينها سوى بعض الحنين، لكن سرعان ما يبتلعنا شيء ما، الحركة. هي حركة تقدّم سريعة ستقوم بالتركيز على موضوع يوجد في الصورة لكن خلف الموضوع الأماميّ، نخرج من اللقطة العريضة إلى لقطة كبيرة، فنلاحظ أن وجه فتاة صغيرة كان غارقا وسط أجساد عديدة لم تكن تشعر بنفس خوفها. نفهم بأنّها مختبئة، لكنّها تحاول النظر لشيء ما دون أن تسمح له برؤيتها. نبدأ حينها في طرح الأسئلة أمام ذلك الوجه الخائف دون أن نتمكّن من خرق الحاجز الذي بيننا، لتعود نفس الحركة الأولى لكن بشكل عكسيّ، هي حركة عودة إلى الوراء، ترجع بنا إلى الموضوع الأصلي، المجموعة. نحن إذا أمام صورتين متناقضتين، وحركتين أو فعلي تحريك، يربطان بينهما زمنيّا.

 

يبدو الأمر بسيطا جدّا وسهلا، لكنّه في الحقيقة مثقّل بالعديد من الأجوبة للكثير من المشاكل المفهوميّة المتعلّقة بما يجمع الشّكل بمحتواه. من خلال حركة التّقديم، نحن نخرج من عالم فيه كل مكوّنات السّعادة والبهجة، يحمل حياة اجتماعيّة وعلاقات طيّبة، إلى عالم من الذعر والعزلة وعدم الرغبة. كلّ هذا يستفزّ بعض الأسئلة المتعلّقة بالفوتوغرافيا، وهي أوّلا قدرتها على إخراج المواضيع المصورة من سياقاتها الأساسيّة (La décontextualisation)، فإذا تخيّلنا بأنّ المصوّر حينها ترك تلك المجموعة وصوّر الفتاة فقط، سنجد أنّنا لن نعلم شيئا عن السياق الذي وجدت فيه حينها وإن لم تكن منسجمة وإيّاه، ثمّ ماذا لو لم تقم نيسان بحركتي التقديم والتأخير، لن نكون حينها قادرين على التعرّف على موضوع مختلف، عمّا يحيط حوله لكنّه ليس مرئيّا البتّة.

 

تكمن إذا كلّ الأهميّة في فعل التحريك الذي أعاد زمنا ثابتا إلى الحركة، فجعل من الصّورة الفوتوغرافية قادرة على التأثّر ماديّا بمفعول الزّمن الذي نشعر به بقوّة في الحركيتين التين قمنا بوصفهما سابقا، حيث كان الانتقال من اللقطة العريضة إلى اللقطة الكبيرة أشبه برحلة زمنية في مكان واحدهذه الرحلة الزمنية، كان بمقدورها أيضا أن تروي قصصا كثيرة ومكثّفة، في انتقالها بنا من حالة نفسية إلى أخرى، ومن عزلة إلى مجموعة.

 

العودة، هي صورة من الأرشيف تعود ربّما لعشرات السّنين، لكنّها قصّة الفرد المختلف وسط الجماعة المتشابهة، هي أزمة الإنسان الحديث وإنسان كلّ العصور، وهو أيضا فعل ترجمة لما يمكن أن يحدثه تدخّل فنيّ بسيط على واقع ما، من تغيير جذريّ وراديكاليّ.  

شيماء العبيدي
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Lundi, avril 23, 2018 - 18:30