الهندسة المعمارية في خدمة التعايش الديني

هل يمكن للفضاء المعماري أن يكون بوابة للحديث عن التسامح الديني؟ أو لنطرح السؤال من زاوية أخرى: كيف يمكن أن نرى التسامح بين الأديان والناس بشكل عام أمام أعيننا في فضاء واحد؟ الإجابة: نعم، من الممكن أن نرى ذلك، بل هناك من بدأ بالفعل في بناء هذا الفضاء الذي يجمع الأديان التوحيدية الثلاثة. هكذا أجاب الباحث والمهندس المعماري الإيطالي باولو باللينو في ندوة بمتحف باردو حول الأماكن المقدسة المشتركة، عن السؤال لماذا المعمار مسألة مهمة عند الحديث عن التسامح الديني؟ وقد أكد باللينو أن الفضاء الذي يجمع الناس في مكان واحد يعد أمرا محوريا كي يتسنى لنا رؤية التعايش بالعين المجردة، في زمن قد يكون من أصعب الأزمنة التي يعيشها الإنسان المعاصر.

 

فن المعمار الديني كان ومنذ زمن قديم العلامة المادية الأولى والأولية للتعبير عن المعتقد الديني والخيال والتصور العام للواقع وللآخر وللذات. وقد كان البابليون أول من بدأ في طرح هذا النوع من الأسئلة منذ أن قرروا بناء البرج العالي الذي يصل إلى السماء، وفي هذا التاريخ تأُثير كبير فيما سيأتي من بعد من أديان ومعمار خاص بها.

 

الفكرة الرئيسية التي طرحت في الندوة التي حاضر فيها بابلو باللينو مع مديرة المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية نجلاء علاني هي أن الفضاء المخصص للعبادة هو فضاء محض وليس بالضرورة أن يكون فضاء مفعما بالعلامات الدينية المتعلقة بذلك الدين في ذاته أو بتلك العقيدة أو الطائفة أو المعتقد بعينه، وقد وجد في هذه الفكرة تاريخا كاملا من المعابد التي تتبع الأديان الثلاثة وخاصة المعابد الإسلامية.

 

فقد طرح مثال الجامع الأموي بدمشق الذي كان في الأصل كنيسة القديس جون بابتيست الذي بقي مدفونا هناك، كما يوجد أيضا قبر يوحنا المعمدان والنبي يحيى نسيب المسيح. ويعد هذا المسجد أحد أهم المعابد الإسلامية التي تحتوي أولا على معالم تاريخية مسيحية داخلها، ثم إن المسجد كان ملهما للكنائس في الشرق في أن تكون صومعته ذات القاعدة المربعة أنموذجا تتبعه المعابد المسيحية كي يصل صوت الجرس في أوقات الصلاة يغطي مساحة واسعة في مجال السمع.

 

وتقول المهندسة المعمارية آمنة البكتاش أن الجامع الأموي بدمشق وكنسية القديسة صوفيا بمصر يعدان أمثلة قوية على أن البناء الديني لا يلغي التطور ويمكن أن يكون فضاءا لأديان أخرى. فقد بنيت كنيسة القديسة صوفيا بمصر على فكرة أنها تمثل حكة الإله حسب آمنة البكتاش، وأكدت المهندسة بدورها أن فكرة تحويل دور العبادة إلى فضاءات للسكينة والتعبد فقط قد أصبحت حقيقة فعلية مع المهندس المعماري الياباني تاداو أندو الذي بنا كنيسة الأنوار في اليابان بين عامي 1988 و1989 وقد قامت فكرة هذه الكنيسة على أن تكون مكانا للتعبد دون وساطات أو تكثيف ديني، هو فقط مكان للتعبد.

 

طرحت مسك على باولو باللوني السؤال حول أهمية الهندسة المعمارية اليوم في بناء فكر الانفتاح والتعايش فأجاب أن الفرصة سانحة اليوم أكثر من قبل، رغم أن التاريخ حافل ببناءات من هذا النمط، لأن الواقع الذي نعيشه اليوم يتطلب مثل هذه الأفكار، وعلينا أن لا نتوقف فقط عند الخطاب الثقافي والسياسي الذي يثار حول فكرة التعايش بين الجميع بل علينا استنباط فضاءات لتستوعب هذا التنوع بالفعل وبشكل يومي ومحسوس، ولا يوجد أفضل من المعمار والبناء كي نرى ذلك بأعيننا.

 

وأكد باللينو أن مدينة برلين الألمانية اليوم تشهد بناء فضاء كبير يسع الأديان الثلاثة وقد أطلق عليه اسم the house of one وهو بناء واحد يضم أقساما ثلاثة للأديان ومكون من وحدات معمارية تفتح الواحدة على الأخرى كي يكون اللقاء مع الآخر الديني أمرا واقعا وحتميا وبشكل يومي.

 

المعمار كمقاربة للتعايش، هذا هو الهدف العام الذي أراد القائمون على ندوة متحف باردو حول الأمكنة المقدسة المشتركة أن يصلوا إليه. إذ لا يمكن أن تبقى قيمة التعايش والتحاور مع الآخر مجرد أفكار نظرية يمكن أن تؤثث خطابا سياسيا أو ثقافيا أو أنثروبولوجيا، بل إن الهندسة المعمارية مسألة ضرورية في إظهار هذه الفكرة ميدانيا وأن تكون أيضا محور تفكير المهندسين والفنيين في مجال البناء والمعمار.

 

الباحثة والأستاذة التونسية سارة الخماسي كانت موجودة خارج قاعة المحاضرة مع طلبتها بصدد العمل على عرض فكرة بناء يحوي الأديان الثلاثة، وقد صرحت بأنها حريصة على موضوع التعايش بين الأديان كمجال تفكير هندسي معماري، وأشارت إلى أن كل دين سماوي له خصائص يمكن استغلالها كي يكون للأديان بناء واحد وهذا أمر ممكن لأن المسيحيين لهم ميل دائم إلى البناء تحت الأرض أو تحت الكنسية، واليهود لهم أبنية بسيطة جدا والمسلمين لهم ميل لأن يكون للجامع صومعة طويلة وتشبه صومعة المسيحيين أيضا ويمكن أن تقوم بالدور نفسه للمسيحيين والمسلمين معا.

 

من الممكن إيجاد بديل مادي واقعي وملموس عن الواقع الذي يعيشه العالم اليوم من عنف ـ مادي ورمزي ـ بين الأديان. فأن يصل المهندسون المعماريون إلى درجة التفكير فعلا في البناء المشترك بين الأديان فهذا في ذاته بوابة لأن نعيد التفكير في منطق المدينة أصلا، والمواطنة والطرقات وغيرها. فالأجدر بنا دائما أن نبني الجسور عوض الجدران كما قال البابا فرانسيس الثاني.

 

 سيف الدين العامري
 

Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Jeudi, mars 9, 2017 - 19:00