صليحة ..احترقت بنار عشق الفن ورحلت

 

قبل ما يناهز تسعة وخمسين عاما غنّت " مريّض فاني "وغادرت..

عاندت المرض ولم تستسلم ليشدو صوتها بأعذب الألحان، صوت يختصر بعمق جانبا من تراثنا الموسيقي الكبير، صوت قويّ تتجسّد فيه مقدرة نادرة.

قبيل شهور من وفاتها كانت تحترق حبا في فنّها ولكن على طريقتها الخاصة، فصليحة لا تستسلم لنصائح طبيبها الذي أعلمها أنها كالنار تأتي على كل ما يحيط بها وحين لا تجد ما تلتهمه تحترق وتلتهم نفسها.

صليحة أو صلّوحة بنت إبراهيم بن عبد الحفيظ، هي فتاة قادمة من ربوع ريف الكاف إلى تونس، والدها من أصل جزائري وقد عاشت طفولة قاسية أدت إلى اشتغالها منذ كانت طفلة صغيرة.

 

حيثما حلّت لتعمل كان الفن رفيقها، بدءا في منزل"محمد باي "ثم في منزل الفنانة "بدرية " وكلاهما كان ينظّم سهرات دورية للطرب والغناء، وخلف ستار مطل على أضواء السهرة كانت "صليحة " تتلقّن خفية وبحرص وذكاء أبجديات الغناء وتذهب إلى حفظ المواويل والموشحات
قبل أن تجد ضالّتها في الغناء ضمن المعهد الرشيدي، بحثت صليحة طويلا عن فرص الظهور ولكنّها كانت في كل مرّة تعود بخفّي حنين بسبب تحالف الحظ والواقع ضدّها:  فقدانها لأخويها، ثم انفصال والديها وزواجها الذي لم يكن ناجحا والذي انتهى بمأساة وفاة طفلين من أبنائها. الفاجعة تلو الفاجعة خلّفت في سلوك المرأة حزنا كبيرا وانهيارا شبه تامّ لولا حرصها على الصمود عبر الغناء.

 

كانت صليحة تغنّي بروح مكلومة، تفترس عبر الموسيقى شبح الحزن الذي يطاردها، تعتلي الركح لتخترق مناخا آخر وقصة أخرى مختلفة، وكأنها تهرب دون أن تدري أن طريقة الهروب هي طريقة قاسية جدّا..

طريقة كلّفتها إنهاكا نفسيا وجسديا كبيرا..

احترقت صليحة بسرعة، عاشت غيبوبة الإبداع على طريقتها ثم رحلت.

 

p11n5.jpg

 

من الفرص المهمة التي قدّمتها للجمهور العريض في سنة 1938 هو مشاركتها في افتتاح الإذاعة الوطنية وكانت إطلالة صوتها كفيلة بشدّ الأسماع إليها مرّة أخرى.

انطلقت تجربتها الفنية في الرشيدية بإنشاد "فوندو" "فراق غزالي" للشيخ خميس الترنان وأردفته بعدد من الأعمال في تعامل مع الفنان محمد التريكي والشاعر محمود بورقيبة بعنوان "زعمة يصافي الدهر" الذي غنته سابقا فتحية خيري.

وتتالت التسجيلات الذي جعلت من "صليحة" قبلة عدد هام من الشعراء والملحنين، وقد حظيت في الرشيدية بالنصيب الأهم من الأغاني بصوتها على غرار "فوق الشجرة" و"غزالي نفر" و"أم العوينة الزرقاء" و"يا خاينة بشكون بدلتيني" وغيرها.

 

سنة 1945 قدمت "مريّض فاني" وهو أول نغم خاص بها لحنه صالح المهدي وهو من كلمات الحاج عثمان الغربي.

وقد كانت محاطة بأبرز الملحنين والشعراء أمثال خميس الترنان وصالح المهدي ومحمد النابلي ومحمد التريكي وعلي الدوعاجي الذي أهداها أغنية "يا لايمي على الزين".

كانت مطربة تونس في الأربعينات والخمسينات بامتياز، على تنوع الأنغام والمقامات والموضوعات وبعناية كبار المؤلفين والملحنين لتؤسّس مجدها وتاريخها.

 

قدمت صليحة الغناء التقليدي بروح محدثة للفرق، تهب من ذاتها الكثير للحن، فليست مجرد متلقّنة لتدابير الغناء وإنما هي فنانة متفاعلة مع الموسيقى ، تضفي على ما تؤديه الكثير من الرقّة والإحساس.

غنّت صليحة القصيد وتعاملت مع عدد من الشعراء على غرار مصطفى آغة (هجر الحبيب) والطاهر القصار(عذل العواذل والهوى فؤادي) وجلال الدين النقاش (عش حالما بالوصال) وغيرهم.

صارت شخصية شبه أسطورية في الذاكرة الشعبية التونسية وودّعها عشرات الآلاف من المتيّمين بفنّها وصوتها في يوم لم يمرّ عاديا، يوم 26 نوفمبر 1958 تاريخ الوداع الأخير.

صدحت بأغان خلّدتها ذاكرة الفن التونسي ولم تندثر باختفائها.

 

لم ترحل دون أن توصي ابنتها الوحيدة خيرا ب"جميلاتها" من الأغنيات، فقد كانت شبيلة راشد خير عنوان يحدّثك عن تاريخ لا يموت، عن والدتها وحبيبة قلبها ومبدعة جزء من تراث هذا الوطن.

احترقت بحزن كبير التهمها وأنهك روحها ولكنّها حفرت إسمها على الصخر..صليحة.

 

نادية برّوطة
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Dimanche, juin 25, 2017 - 12:15