عزالدين قنّون: مازال بيننا
عزالدين قنّون: مازال بيننا

عاشق مولع بفاتن حمامة وبمحمد عبد الوهاب، تنعكس حساسيّته المفرطة على جدران مسرح الحمراء قبل أعماله وانتاجاته. عز الدين قنون، هكذا نذكره، بكلّ ما يحمله اسمه من ألفة وشغف، دون ألقاب بطوليّة وأسطوريّة، كما نذكر صديقا أو معلّما. عز الدين قنّون، نأى بنفسه منذ بدايته عن صنع اسم أو شهرة ولقب، إنّما كرّس حياته للفنّ والمعرفة، ثمّ تصديرهما لكلّ من احتاج إليهما في تجربته الحياتيّة والمسرحيّة.

 

بعد إنهاء دراسته للمسرح في السربون، لم ينتظر كثيرا حتى يطلق مشروعه الخاص الذي يجسّد في شكله كلّ قناعاته وتصوّراته حول ماهية العمل الثقافيّ وما يمكن للفنّان أن يحمله من رسالة. أفكار ثوريّة، تظهر في البداية مع اختيار المكان، نهج الجزيرة، هذه المنطقة الشعبيّة والتاريخيّة، التي على تموقعها في قلب العاصمة فهي تضمّ كلّ الآتين من المناطق الداخليّة بحثا عن العمل والقوت لا أكثر، ليستهدف بذلك الجمهور الأكثر حاجة من غيره للفعل الثقافي. مبادرة تأخذنا مباشرة للتفكير في نظريّات غرامشي حول المثقّف العضويّ، الفيلسوف الذي ألهمه لتكوين مجموعته الخاصّة "المسرح العضويّ".

منذ سنة 1985، لم يتوقّف مسرح الحمراء عن الإنتاج والتكوين والمساعدة على الإبداع. هكذا أراده قنّون "مسرحا لكلّ الفنون"، لا تغلق أبوابه ولا يكفّ عطاؤه. مسرح مرّ عليه العديد من الموسيقيّين والسينمائيّين، وعاش الكثير من بينهم تجربة أوّل صعود على مسرح وأمام جمهور، ليقدّم بذلك فرصة لكلّ موهبة حقيقيّة لم تجد منصّة لأعمالها. مسرح الحمراء، كان ولا يزال مسرحا كصاحبه شديد الكرم، أمر ربّما يتحدّث عنه باستفاضة أكبر، طلبة السينما الذين كان يتاح لهم المجال في كل سنة لتصوير مشاريع التخرج بشكل مجانيّ.

ezzedine-gannoun.jpg

« قمرة طاح"، "نواصي"، "المصعد"، "طيور الليل"، "آخر ساعة"، "غيلان"، وغيرها من الأعمال المسرحيّة، هي إنتاجات عزالدين قنون بالحمراء طوال سنوات إدارته الفنيّة له، تشترك كلّها في التجديد الدّائم وفي النّضال المتواصل ضدّ مختلف الأنظمة السياسيّة التي مرّت بدكتاتوريّتها وجورها على تونس. قنّون، كان منفتحا بما لا حدود له على العالم، ما جعله يدرج قسم التكوين ضمن برامج الحمراء، مؤسّسا المركز العربي الإفريقي للفنون الركحية، وهو الأوّل من نوعه في إفريقيا. تكوّن في هذا المركز، أكثر من 400 مسرحي خلال السبعة عشر دورة الفارطة، في مختلف الاختصاصات المتعلقة بالفنون الدراميّة. برنامج أتاح الفرصة لشباب من جميع دول إفريقيا والعالم العربي، للإلتقاء بمجموعة من أكبر أساتذة المسرح في تونس والعالم ولإنتاج عرض في آخر كلّ دورة.

 

عز الدّن قنّون هو إيمان قويّ بالتغيير وبدور الفعل الفنيّ في ذلك، انتصار لمبادئ المسرح والثورة، ونقطة فاصلة في تاريخ هذا البلد. هو معلّم للكثيرين، وعلامة فارقة عند الآخرين، وهو عند الجميع صورة لن اتكتمل سوى بابتساماته واحترامه للجميع، بكرمه المعرفيّ والماديّ، دعوته الدائمة لأصدقائه لاكتشاف بلدان العالم،أكلاته ومتعه الأخرى، هو حبّ قويّ للحياة وتشبّث بها.

 

لأنّه كان متشبّثا بالحياة وبمسرح الحمراء، تحيا الحمراء من بعده كما لو كان موجودا، بنفس مبادئه ورؤيته الفنيّة. هذا ما كان يطمح له، وهذا ما حقّقه له أبناؤه الذين ترك لهم مشعل الشغف والعمل الجاد.

Crédit photo : M. A. 

شيماء العبيدي
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Jeudi, mars 29, 2018 - 17:45
NO LOGO
Fabio l'africain