عمر باي "الحي-الميت" الذي يصنع من النفايات فنّا

 

في طريقهم إلى العالم الأسفل، إلى العدم، يشرب الموتى من نهر النسيان كي يعيشوا حياتهم الأخرى دون ذاكرة، هكذا تقول الأسطورة الإغريقية. لم يُرد عمر باي أن يتحوّل أو يحوّلنا، إلى موتى لا تاريخ لهم، فأعماله تبيّن أنّ الموت لا يناقض الحياة بل هو امتداد لها، أو ربّما هو وجهها الآخر الذي لا نعرفه.

 

الحي-الميت Mort-vivant هي فكرة فلسفية استلهم منها الفنان التشكيلي التونسي عمر باي أعماله الفنية التي تحكي قصصا كثيرة وتعبّر عن عالمه الغامض. عندما تتجول في دار الباي، تشعر كما لو أنّك داخل أحد القصور المهجورة، بقايا وآثار الإمبراطورية الرومانية، وهو ما دفع عمر باي، ربّما، إلى اختيار هذا المكان الذي يجسّد بشكل غير مباشر الخلفيّة الفكريّة التي تحملها أعماله.

 

يشتغل عمر باي، على تقنية تدوير النفايات والأشياء القديمة الملقاة هنا وهناك، وتحويلها إلى أعمال فنيّة تحكي عنه وعنّا، وهي تقنية ظهرت سنة 1913 على يد الرسّام مارسال دوشامب Marcel Duchamp الذي يؤمن بأن الفن يعيد عملية خلق للأشياء العادية ويضفي عليها نظرة تحمل على التساؤل والتفكير، ويتمثل هذا التمشي في إعادة تدوير النفايات وتأهيلها فكريا وفنيا وطرحها في تعريفة جديدة وحتى صادمة. مازال نهج دوشامب الفنيّ المرتبط بالدادائية، يؤثرّ في العديد من الرسّامين والفنّانين التشكيليّين المعاصرين ومنهم عمر باي الذّي تمرّد على السّائد والمألوف بتبنّيه لطرح "جماليّة القبح La beauté de la laideur"، هذه الحركة الفنيّة التي تظهر بشكل كبير في أركان دار الباي. تعود بنا قراءتنا لأعمال عمر إلى العديد من المراجعيات الفنيّة، فقد استخدم بابلو بيكاسو Pablo Picasso أيضا العديد من المواد التي لا نوليها قيمة، ففي منحوتته "رأس الثور" Tête de Taureau اقتصر على كرسي درّاجة قديمة ومقود. كما يُحكى أن ليوناردو دافنشي Léonard de Vinci طلب من تلامذته في أحد المرات أن يتأمّلوا بقع العفن في الجدران والمستنقعات لتغذية خيالهم وتحويل "المبتذل" إلى موضوع فني وجماليّ. هكذا إذن يمكن للفن أن ينفخ الروح في أي شيء قابل للتحوّل بتدوير ما نستعمله في حياتنا اليومية.

 

لا يعترف الفن التشكيلي بالحياد ولا يلتزم به لأنه يعبر عن هوس ما، عن فكرة ما، عن سؤال أو حلم ما، لذلك فإن جميع أعمال عمر باي مشحونة بدلالات ورموز كثيرة تسائل الواقع الذي نعيشه ولكن بنفس فنيّ يحمل الكثير من الذاتيّة. لم يستطع عمر أن يمنع نفسه من الانصهار داخل عوالمه والتحوّل إلى شرنقة معزولة لسنوات ثمّ الانفتاح على الآخرين وعرض أعماله في دار الباي. "الحي-الميت" هو بمثابة المكاشفة أو لحظة الحقيقة بالنسبة له، فالعديد من لوحاته تتحدث عن تجاربه الشخصية والأسئلة الحارقة التي يحملها بين جوانبه، ويستنطق فيها ذاته وذواتنا. استخدم عمر مواد مختلفة مثل الحديد وأنابيب الأرجيلة "الشيشة" ليصنع منها أشكالا ضحمة بتعبيرات متباينة، كما استخدم الآجرّ وكرسيّا أبيض ليعلم زوّاره بأن "الملك قد مات" Le roi est mort.

 

وظّف عمر باي فكرة الأحياء-الأموات الفلسفية التي تدحض ما جاء به منظّروا المدرسة السلوكية: يمكن شرح وفهم الطبيعة البشرية وفق مقاربة فيزيائية، وهو ما يتعارض مع فكرة الحي-الميت التي تريد أن تفهم الحالات الذهنية والنفسية المرتبطة بالوعي في علاقته بالعالم الماديّ. بالنسبة إلى عمر باي فإن معرض الحي-الميت هو أشبه برحلة مُربكة، عنيفة وهشّة في نفس الوقت أراد من خلالها أن يكسر كلّ الحواجز التي تقيّده وتقيّدنا حتّى يصبح الموت بعدها حالة فكرية نقدية نقبلها ولا نهابها.

 

 

Photo de couverture : Mahmoud Chalbi

ريم بن رجب
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Lundi, mai 29, 2017 - 11:45