في عينيا لنجيب بالقاضي: رقم صعب في المعادلات السينمائية الجاهزة
في عينيا لنجيب بالقاضي: رقم صعب في المعادلات السينمائية الجاهزة

 

بجوّ من التناقضات والمفارقات الصعبة، يقدم نجيب بالقاضي فيلمه الجديد "في عينيّا"، كعمل فنيّ أليف، نجح من خلاله في فك مجموعة من المعادلات الأكثر صعوبة في السينما، لعل أهمها اتخاذ موضوع شديد الحساسية دون توسّل الدموع. بهذه الطريقة، تجاوز نجيب بالقاضي سحر السينما بجماله إلى ذكاء السينما في إقناعه، مؤجلا فكرة أن تكون للفيلم هوية، مقدما لنا فيلما ذو شخصيّة.

 

منذ اللقطة الأولى، يعلن الفيلم عن محور اهتمامه، من خلال صورة جنين في شاشة فحص طبي، عن الأبوّة سنتحدّث، عن المسؤولية وثمن التخلي عنها. بداية تم تصويرها في فرنسا، تتلوها بعض الأحداث هناك، تهيّأنا لبقية الفيلم، وتختصر أغلب ما يمكن أن نعرفه عن شخصية الفيلم الرئيسية حتى نتمكن من العيش معها فيما بعد دون استغراب. خلال وقت قصير جدا، علمنا أنّنا أمام شخصية عنيفة ومتوترة، عفوية وتحمل رقة ما، لا تظهرها سوى أمام خصم قوي أو بعد مراجعة ما. لطفي (نضال السعدي)، هو بطل الفيلم الذي لم يغب سوى عن مشاهد نادرة جدا من الفيلم، هو أب تخلى عن عائلته عند تشخيص ابنه بالتوحد، يعود إلى تونس لاسترجاع هذه الحياة عند دخول الأم في غيبوبة، تاركا وراءه حياة أخرى، هي بمثابة ملف مفتوح تأجل تنفيذه ولكن لا مجال لخسارته.

 

1fy_yny_lnjyb_blqdy_rqm_sb_fy_lmdlt_lsynmyy_ljhz.png

 

يكمن ذكاء الفيلم في الخيارات الأقرب للراديكالية في مراحل الكتابة الثلاث. نحن أمام سيناريو تفصيلي لحالات الشخصيات المكثفة والغارقة في تعقيدها. كتابة تنطق بها الأحداث بأبعاد الشخصيات، أمزجتها وتفاعلاتها، دون ترك فسحة للتأمل والاستغراق فيما لا يخدم القصة، ليكون فيلما سرديا أكثر منه ميلا إلى الوصف وعرض الأمور. هذا التركيز على الأحداث يدفعنا مباشرة للتفكير في كتابة الفيلم الأخيرة وهي التركيب الذي يعكس خيارات صارمة تدين اللعب بأوراق مكشوفة وتدعو المتفرج لمغامرة تشويقية إن صح التعبير، يكون المتفرج فيها جزءا من التجربة، لا يحصل على أطباق جاهزة، بل بطرح سؤال مع كل إجابة تقدم إليه. كل هذا، من خلال التخلي عن طرق الانتقال التفصيلية بين الأحداث، ليكون الرابط بينها هو تفاصيل تمر بسرعة وجب التقاطاها في لعبة بصرية بامتياز. قواعد حازمة، قلّص نجيب بالقاضي من سلطتها خلال التصوير -الكتابة الثانية- من خلال توظيف الكاميرا المحمولة التي رغم كثافة اللقطات الثابتة، خلقت نوعا من الحركة الخفيفة التي ترجّ صرامة الموضوع من ناحية وتستخفّ أحيانا أخرى بهدوء مفتعل ينذر بانقلاب قريب على مستوى الأحداث وردود أفعال الشخصيات. شكّلت طريقة التصوير أيضا ورقة رابحة في بناء الفيلم، فهي المرحلة التي راهن فيها بالقاضي ليس فقط على أداء الممثلين الناجح في أجزاء كبرى من الفيلم، بل أيضا على موقف جمالي متجدّد لدى المخرج، هو مصدر كل ما نشعر به عند المشاهدة، وبه نجد أجوبة وتبريرات مقنعة لكل القراءات والتأويلات الممكنة لهذا العمل.

 

نتحدث إذن عن نسيج مترابط، لا مجال فيه للزيادة أو النقصان، حيث لا يوجد أي تفصيل في الفيلم، قابل للتجاهل أو غض النظر، كلّ ما نراه دون استثناء، هو حتما في خدمة القصة الأساسية، يغذّيها أحيانا ويشكّل نتيجة لبعض أحداثها أحيانا أخرى.

 

2fy_yny_lnjyb_blqdy_rqm_sb_fy_lmdlt_lsynmyy_ljhz.png

 

ذكرنا فيما سبق أنّه فيلم ذو شخصيّة، فكرة يصعب ربّما فهمها أو استساغتها في الحديث عن السينما، لكنّها كلمة تفرض نفسها عند مشاهدة الفيلم. أسس بالقاضي شخصية لفيلمه منذ البداية، وترجمها بنسق سليم خلال كامل الفيلم من خلال العديد من الخيارات، لعلّ أهمّها الابتعاد عن الاستعطاف وعن كلّ ما من شأنه أن يثير مشاعر شفقة أو يستجدي دموعا. بهذه الطريقة، نحن نتحدّث عن ابتعاد عن الخيارات السهلة التي غالبا ما تكون مكتوبة مسبقا على شكل وصفات جاهزة من شأنها أن تفعل بالمتفرج ما تريد. "هو فيلم متاع شخصيات"، هكذا يقول نجيب بالقاضي ليختصر توجّهه السينمائي هذه المرة، وهي نقطة قوة الفيلم الذي يعلو فيه الفرد على العموميات التي تفرغ الأمور من معناها، كي لا نضيع عن الفكرة الأساسية، وهي قبول المختلف بأنواعه. فيلم ذو شخصية، لأنّ الترابط الوثيق بين الشخصيات، لم يمنع فتح نافذة عن حياة كلّ منها، عن أفكاره عن نظرته للأمور، من خلال رد فعل أو صورة أو كلمة. لقد كان كافيا أن ترفض والدة لطفي (منى نور الدين) الاعتناء بيوسف (إدريس خروبي) الذي يعاني من التوحد، وإصرارها على افتكاكه من خالته خديجة (سوسن معالج) لأنها تعيش مع أجنبي خارج إطار الزواج، حتى نتعرف على عقليتها المحافظة ومدى تأثير ذلك على شخصية البطل الذي ربما قد حرّرته نوعا ما تجربة العيش في فرنسا. لا تتوقف الشخصيات عند الممثّلين، فقد توسعت لتشمل الأماكن، مثل منزل البطل الذي يعود إليه بعد سنوات كما لو أنّه يزوره لأول مرة، يعيد ترتيبه وينبش في تفاصيله علّه يجد شيئا يعرّفه عمّا فاته خلال سبع سنوات، ليكون هذا المنزل محدّدا كبيرا في العديد من القرارات التي اتخذها لطفي في علاقته بابنه وبمستقبل الحياة التي من الممكن أن تجمعهما معا.

لشخصية الفيلم أبعاد أخرى، تتمظهر سينمائيا في توظيف "العدة الفيلمية" (dispositif filmique)، من خلال المشاهد التي تم تصويرها بالهاتف الجوال، والتي لعبت دور الدافع الأساسي لتغيّر الأمور، هذه المشاهد التي عوّضت الطرق الكلاسيكية لاسترجاع الماضي مثل "الفلاش باك" وغيرها، عزّزت قوّة شخصية الفيلم الذي لم يرتكز سوى على الحاضر ولم يعوّل سوى على إمكانياته الخاصة في البناء الدرامي.

في "في عينيّا"، ترك نجيب بالقاضي كلّ شيء للنّهاية التي مرّت دون كلام، نهاية ذات رسالة مضاعفة، تؤكد من ناحية على قيمة الصورة وقوّتها كفن، وعلى ضرورة أن نرى الأمور بأعين غيرنا حتى نقبل المختلف ونستوعب ما يصعب هضمه. عمل جديّ في مجمله، والأهم من ذلك، هو من بين الاستثناءات التي تعيد الثقة للجمهور فيما يمكن أن يكون عملا سينمائيا تونسيا.

شيماء العبيدي
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Mercredi, novembre 7, 2018 - 17:30