قرقنة: انقلاب قوارب في البحر أو انقلاب معادلات تاريخيّة؟
 قرقنة انقلاب قوارب في البحر أو انقلاب معادلات تاريخيّة؟

الهجرة ثقافة، الحدود ثقافة، الجغرافيا ثقافة والموت في نقاط التقاطع بين هؤلاء، أصبح اليوم ثقافة. هي ثقافة، لأنّها تحدّد نمط عيش مجتمعات بأسرها منذ الأزل.

ثقافة الهجرة، بعيدة كل البعد عن الرومنسية المحيطة بثقافتي الرحلة أو السفر، والدّليل على ذلك هو تحوّلها إلى مأساة في الكثير من الأحيان. لسنا ندري إن كان فوكو ياما على حقّ في طرحه الشّهير حول موت التّاريخ، لكنّ الأكيد هو أنّ فكرة المواقع الجغرافيّة والحدود المرسومة هي من تحدّد أمن شعوب وعيشهم الرّغيد، وهي في نفس الآن من تزجّ بآخرين نحو الموت.

 

من الواضح أنّ دافعنا الرئيسي للحديث عن هذا الموضوع هو مأساة قرقنة الأخيرة، التي هزّت تونس ووضعت شعبها للمرّة الألف أمام عشرات التساؤلات التي لا إجابة لها ولا حلول، لأنّ الكارثة ستتكرّر مرارا أخرى كالعادة. من بين هذه التساؤلات، هي ما الذي أودى بهذا البلد إلى هذه الحالة، في حين كانت الأمور تحدث على شاكلة أخرى مغايرة تماما.

بعد موت عشرات الشبان غرقا في البحر مع كلّ ما حملوه من أحلام تراجع تفكيرنا في الزّمن إلى وقت بعيد جديد، إلى أيّام خلت أين كان عكس ما نعيشه اليوم هو القاعدة. تراجعنا في الزّمن إلى سنة 1947، وبالتحديد يوم 6 أوت من نفس السّنة، أين نشرت الجريدة التونسيّة النّاطقة بالفرنسيّة آنذاك، مقالا عن إيقاف السلطات التونسيّة لثلاثين مواطنا إيطاليّا من بين مجموعة كبيرة من القادمين بطريقة غير شرعية عبر البحر من سيسيليا إلى تونس (الوطن القبلي). يصف هذا المقال القادمين بالغير مرغوب فيهم وبأنّهم فارّون من الفقر والأوضاع الصعبة ببلدهم. هذا المقال، هو ليس الدّليل الوحيد على وجود هذه الظاهرة لكنّه يؤكّدها بشكل ماديّ، لأنّه ليس بمقدور أيّ أحد من جيل اليوم، تصديق ما كان يرويه لنا أجدادنا دوما، بأنّ تونس كانت ملجأ الأوروبيّين للعمل والاستثمار وحتى الفرار من الحروب. كلّ هذا، يساعدنا على تخيّل الوضع الاقتصادي الذي كان عليه البلد، ليجعل منه وجهة لكلّ من ضاقت به السّبل.

انقلبت المعادلة اليوم، وأصبح أيّ مكان آخر أفضل من هنا مهما كان صعبا ومهدّدافي النّهاية، مانحن بصدده الآن، ليس من قبيل التبكّي على ماض لن يعود، إنّما لمحة عن الخسارة التاريخيّة الفادحة التي نتكبّدها اليوم، خسارة ثقافيّة بالأساس، أصبح الموت أوّل ركيزة فيها.

 

 

شيماء العبيدي
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Jeudi, juin 7, 2018 - 11:15