لقشة مالدنيا لنصرالدين السهيلي: عن طبيعة الحياة في الأرض السابعة
لقشة مالدنيا لنصرالدين السهيلي: عن طبيعة الحياة في الأرض السابعة

نحن في باب الجديد، أحد الأحياء الشهيرة بالمدينة العتيقة، مكان استراتيجي، يقترب من القصبة أين تجتمع الحكومة برئاستها، وهو حي شعبي، نحتفل فيه بفوز النادي الإفريقي ونتسوق قربه في الصباغين و سيدي بومنديل، حي معروف بمحطة باب دزيرة، وبإطلاله على محطة برشلونة. شارع يطغى به اللونين الأحمر والأبيض على لافتات المقاهي والحلاقين والفرق النحاسية والمتاجر، تكثر به الحركة وتعلو به الأصوات. يحدث كلّ هذا في الشارع الرئيسي الرابط بين باب منارة وساحة المنجي بالي، لكن، كما كل أرجاء تونس، يختفي بهرج المركز فورما ندخل في الشوارع الفرعية، هناك فقط تسقط الفكرة القائلة بأن الأرض مسطحة، ونعلم أنّنا لسنا بصدد المشي بل بصدد النزول. "في لقشة مالدنيا" لنصر الدين السهيلي، نحن لسنا في باب الجديد الذي نعرفه، بل في أحد مغاويره التي لا نصل إليها ولا نعرفها كما لا تفعل الدولة، كما لا أحد يفعل.

 

فكرت كثيرا عند مشاهدة الفيلم وبعدها بأيام في معنى العدمية، في العبث والقدر، في الأخلاق وفكرة الحدود، في الحب، وفي معنى أن تكون على علاقة مع أحدهم، في تعقيد الأشياء وبساطتها. فكرت في كل من جلسوا على مكاتبهم مفكرين في كل هذا وغيره ومنظرين له، فكرت في كل من يقدمون خطابات عن هذه الأمور، ويكتبون كتبا ويصنعون فنونا، فكّرت أنّ كل هؤلاء قد تمتعوا بمزية التفكير في حد ذاته، فما بالك بمزية الكتابة والنشر والشهرة وتخليد أسمائهم في تاريخ البشرية كأعلام غيروا العالم وعقوله. فكرت أيضا أن هؤلاء، قد أغمضوا أعيننا عن الحقيقة في وضعها الخام، الصادم والوقح، غير المغلف بأدبيات الكتابة والوصف، الحقيقة التي كان من شأنها أن تأتي على شفاه الناس مباشرة، دون أن نجعلهم موضوعات لشكليات كتابية تغلف ألسنتهم بما شاءت من الكلام. لست أقلل هنا بأي شكل من وجع آرطو أو بذاءة سيلين، ولا في حيرة تاركوفسكي ولا وقاحة بازوليني، ولا حتى في ثورة ساد وباتاي ولا في عبقرية ماركس، لكنّي حاولت فقط تخيل كلّ ما يقع خلف ذلك، في واقع الإنسانية بعينه لا في تمثّله لدى من حاولوا كتابته.

 

في لقشة مالدنيا، تمرّد نصرالدين السهيلي عن هذه القواعد، تاركا الشكل على جنب، وأكثر من ذلك، ترك الاستغلال على حده، فلم يستغل السينما ليقول حقيقة، لم يستغل الشخصيات ليقول على ألسنتهم حقيقة، ولم يستغل حتى نفسه كمخرج يبحث عن حقيقة. هنا تسقط كل القبعات، ونتعرى لوهلة أمام من يمشون عراة طوال حياتهم، عراة من الأسماء، عراة من الأحكام، عراة من المجتمع والدولة والسياسة، والأهم من ذلك، هم عراة منّا نحن.

هذا الفيلم، لا يترك مجالا لاتخاذ مسافة أو موقف حياد، هو فيلم عنيف، أشبه بسرطان ينقضّ على دماغك ليشل أعصابك ثم يهمس في أذنك: "أترك الموضوعية وأسسها على حده، وتخلى تماما عن ذاتيتك، أنت لا شيء أمام هذا العالم".

ليس المقصود من "أنت لا شيء" الاستنقاص من المشاهد، لكنّنا في الحقيقة أمام مأزق خانق، هو تعدّد رهيب لزوايا النظر التي من الممكن أن نعالج من خلالها الفيلم، تعدّد يؤدّي إلى اضمحلالها جميعا في آن، ليس فقط لكثرتها، إنّما لفوقيّة ما يمكن أن نقع فيها إذا اتخذنا لأنفسنا موقعا نحلّل انطلاقا منه ما تفرجنا عليه.

منذ الوهلة الأولى وبلا أيّة مقدّمات، نجد أنفسنا وسط الفيلم، شوارع مألوفة بحوانيتها، عرباتها، وشخصية تتابعها الكاميرا بصدد الغناء بصوت عال دون أن تكترث بأحد ودون أن يكترث بها أحد. شخصية من المعتاد أن نراها في شوارعنا يوميا، ونكتفي بوصفها بال"مهبول"، سرّا كان ذلك أو مجاهرة.

نتحدّث عن لطفي الملقب بفانتا، أحد أبطال الفيلم، أكثرهم هشاشة ولا مبالاة وامتلاء بالحب، والأهم من كل ذلك، هو أكثرهم تصالحا مع جانبه الأنثوي. حول فانتا، يدور العالم بمكوّناته ومسبّباته ونهاياته، ينتفي معنى الزمن الذي يتحوّل إلى صلصال يمدّده ويقلّص من وطأته كما يشاء، إن كان ذلك في اعتقاده بأن علاقته برزوقة تدوم تسع سنوات رغم أنّهما في الحقيقة سنتين فقط، أو من خلال استهلاك المخدرات التي تنسيه هموم العالم. يقع فانتا في الخطوط الفاصلة بين كل شيء، لا مختل ولا سوي، لا ينكر ذاته ولا يأبه بها، ليس بصحة جيدة وليس عاجزا، هو لقشة من العدم موجودة بيننا ولا نعي بها. "أحبّه بصدق"، كلمة لا يتردّد فانتا في تكرارها مرّات عدّة، في حديثه عن رزوقة، حبيبه، صديقه وأبيه، "انت باب"، يتوجّه بها إليه ليلين قلبه أحيانا، ليتراجع عن صفعته أحيانا أخرى أو ليحرق قلبه إن لزم الأمر، حبيبه الهش هو الآخر، والذي ينهار أمام مثل هذه الكلمات عنفا أشد ممّا كان ينويه ربّما. بين حب معلن وحب مغلّف بكل أشكال التصعيد، بداية من الوهن الذي يتمظهر قسوة إلى رغبة في الانعتاق تكبّلها الشفقة والعرفان ومشاعر يصعب الاعتراف بها، تتشكّل أمامنا هذه العلاقة التي تغزوها المخدرات والأمراض، دون أن تجد لنفسها تسمية أو تعريفا واضحين.

 

من المربك أن نتحدّث عن هذا الكمّ من المشاعر المعقّدة دون أن نخصّص جزءا للخيارات الجمالية التي ساهمت في تمريرها إلى عقولنا، غريب أن نغوص في كل هذا دون البحث عن تأصيل مرجعي له، ما يؤدي إلى غرابة الحقيقة حين تمتثل أمامنا واقعا لا يمكن تغييره. من المؤلم أنّنا لسنا أمام شخصيات نعلم أن أحدهم قد كتب ملامحها مسبقا وأنه بصدد التلاعب بها وتقرير مصيرها، وأنّ كلّ ما نراه، هو دماء حقيقيّة ودموع أصيلة وتأوّهات تصعد من عمق لا يمكن تحديده، تؤلمنا اللكمات والصفعات الكثيرة، ويخدّرنا الاستغراب. ما هذا؟، هل هو عمل ما استمدّ نصرالدين مرجعيته من السينما المباشرة؟ هل هو فيلم وكفى؟ أم هو نسخة مطابقة للأصل لحياة مجموعة ما؟

 

هو في الحقيقة ليس كل هذا، هو تجربة سينمائية بحتة، تفرض نفسها كمقاربة مختلفة لمعالجة الموضوع، تتراوح بين اتخاذ مسافة مطلقة عنه والغوص في أعماقه في آن. لقد تخلى السهيلي عن الأسئلة والحوارات مع شخصياته تاركا لهم كل الحرية في التصرف والتعبير، متخليا عن صفته كمخرج ومقدما نفسه كشاهد على عملية تداع حر متواصلة ولا توفقها أية قوة مهما كانت خارقة، في نفس الوقت، حفر نصرالدين عميقا في حياة هؤلاء، مكتسبا ثقتهم وصداقتهم، وهو امتياز لا يتمتع به سوى الحقيقيّون ممّن أتوا على سجيّتهم دون أقنعة وأحكام مسبقة. كذا، لا يلبس "لقشة مالدنيا" أيّ قناع جماليّ، فقد اتخذ شكله كفيلم، شكل الحياة في تلك الفوضى والحميمية والخراب.

 

يتفرّد لقشة مالدنيا بوضعه للسينما الوثائقية في مأزق أخلاقي، مسائلا شرعيتها في الاقتراب من مواضيعها. كل هذا من خلال إعادة رسمه للحدود الفاصلة بين الكاميرا والشخصية من خلال نفيها والتخلي عنها. تسقط الشخصيات نفس الحدود، بتجاهلها لوجود الكاميرا كعدة فنية هجينة وبتعاملها مع المخرج كصديق لا غير، بحريتها المبهرة في الحياة دون اعتبار أيّ شيء، لا خوف ولا شجاعة ولا بطولة، نحن أمام ذوات تآكلتها الهشاشة وكانت مصدر قوتها. أنهى نصر الدين اللعبة بانتهاء العلاقة بين الحبيبين، تاركا بأذهاننا صورا عنيفة غارقة في الرقة بين ادمان على المخدرات وعلى الحب، بين تعلق وانعتاق شديدين، معمّقا فينا شعورا بالانتصار لأنّنا لم نكن مثلهم، وشعورا بالهزيمة لأنّنا في الحقيقة مثلهم، لكنّنا نسمّيهم آخر، وهم لا يسمّوننا أصلا.

شيماء العبيدي
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Mercredi, novembre 14, 2018 - 10:30