وزير الثقافة ينتهج "فرّق تسدّ" وحافظ مقني يستقيل
Hafedh Makni

صرّح المايسترو حافظ مقني لإحدى الوسائل الإعلاميّة بأنّه سيعلن رسميّا عن استقالته من قيادة الأوركستر السمفوني التونسي يوم 22 جوان 2018 خلال الحفل الذي سيقدّمه الأوركستر بالمسرح البلدي بالعاصمة. قرار جاء بعد تتالي الضغوطات من قبل وزير الثقافة محمد زين العابدين الذي بدأ في استبعاد هذه المؤسّسة منذ إعلانه عن تأسيس أوبرا تونس.

 

منذ أواخر سنة 2017، انطلق الأوركستر السمفوني التونسي في الاشتغال على مشروع أوبرالي ضخم بعنوان "أوبرا عايدا" بالشراكة مع الأوركستر الإيطالي Luglio Musicale di Trapani. يتمثّل هذا المشروع في تقديم سلسلة عروض في جميع المسارح الأثريّة في تونس وفي إيطاليا، ويحمل كلّ المشروع عنوان "MediThèâtre ». تقدّمت التحضيرات لهذا العرض بنسبة كبيرة وأوشكت على نهايتها. كلّ شيء كان على ما يرام إلى أن قام وزير الثقافة بدعوة المايسترو حافظ مقني ليطلب منه تقديم العرض باسم أوبرا تونس مستبعدا بذلك الأوركستر السمفوني . طلب غير منطقيّ وليس فيه أيّ احترام لكلّ من اشتغلوا على هذا المشروع طيلة أشهر، كما لا يليق بمنصب وزير ليس من شأنه أن يتدخّل في المشاريع التي تقدّمها وتشرف على إنتاجها مؤسسات ثقافيّة بعينها. كلّ هذا بالإضافة إلى كون هذا المشروع التونسي الإيطالي قد تمّ إنجازه بتمويل أوروبيّ بحت.

 

هذا الطلب الذي لا يخضع لأيّ منطق، يستفزّ العديد من الأسئلة التي تتمحور في البداية حول السبب الرئيسيّ الذي يقع وراء تأسيس أوبرا تونسي في حين كان من الممكن دعم الأوركستر السمفوني التونسي بالإمكانيّات التي تجعل منه مؤسّسة وطنيّة من شأنها تمثيل تونس في المحافل العالميّة؟ هل هي سياسية فرّق تسدّ، أم رغبة في خلق التعدّديّة والتنوّع في صلب المشهد الموسيقي التونسي؟ وإذا كان الأمر كذلك، لم نستولي على مشاريع مؤسّسة لنسندها لأخرى؟ أليس من الأجدر أن يشتغل كلّ على حده في إطار منافسة فنيّة نبيلة؟ أو أن يشتغلا معا في إطار مشروع يجمعهما منذ البداية؟

كلّ هذه الأسئلة لا تحمل أيّة أجوبة مباشرة من قبل وزير الثقافة، لكن لعلّه قد قدّم إجابات بشكل غير مباشر من خلال مجموعة من الأفعال والقرارات، فقد حرم هذا الوزير الأوركستر السمفوني التونسي من تقديم عرض افتتاح مدينة الثقافة، مقدّما هذه الفرصة لأوبرا تونس الذي كان حينها_ولم يزل_ مولودا جديدا غير قادر على تقديم عرض بمفرده، ممّا جعل أكثر من ثلثي المجموعة حينها، عازفون من أكرانيا وما تبقى كان من تونس.

 

 على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك، حاول الوزير اليوم، الإجابة على  على ما يحوم حول استقالة مقني، بتعداد الأسباب التي أدّت إلى مقترح تصدير أوبرا تونس على حساب الأوركستر السمفوني في عرض أوبرا عايدة، والذي عبّر عنه بإعطاء الفرصة لكلّ العازفين المتميّزين في تونس للمشاركة في هذا المشروع. هذه الدوافع هي أربعة بالأساس، أوّلها ضخامة المشروع. ثانيا المؤهلات العالية للعازفين التونيسيّين للمشاركة في هذا المشروع. ثالثا، القيمة البيداغوجية الكبيرة والغير مسبوقة في تونس لهذا العرض ورابعا، التكاليف العالية لهذا المشروع والذي من الممكن أن تساهم في تحمّهلها أوبرا تونس.

 

ربّما من شأن هذه الأسباب أن تكون منطقيّة في المطلق، لكن ليس في هذا السياق الخاصّ جدّا، حيث شارفت التحضيرات بين الأوركستر السمفوني التونسي والشريك الإيطالي على نهايتها ولم يتبقّ سوى أقلّ من شهر لتقديم العرض الأوّل، هذا بالإضافة إلى كون الأوركستر قد وقّع على اتّفاقيّة تمتدّ على عدّة سنوات، فكيف له اليوم أن يستبدل إسمه باسم هيكل آخر. كلّ هذا وقد صرّح حافظ مقني بأنّ أوبرا تونس قد انطلقت منذ مدّة في الإعداد لهذا العمل في ظلّ انسحاب الأوركستر السمفوني التونسي.

 

المرعب في هذه القصّة هو أنّ الأوركستر السمفوني التونسي قد عاش موسما استثنائيّا هذه السنة، حيث قدّم عروضا شهريّة بشبابيك مغلقة طوال العام بالإضافة إلى نفخه لروح شبابيّة ضمن هذه المجموعة من خلال الوجوه الجديدة التي نكتشفها كلّ شهر. فهل من شأن كلّ هذا أن يكون سببا للتأخّر عن دفع أجور العازفين وعن إقصاء الأوركستر من أهم المحافل الوطنيّة؟

شيماء العبيدي
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Dimanche, juin 10, 2018 - 17:15