2018: أفلام تونسية شدت انتباهنا
2018: أفلام تونسية شدت انتباهنا

 

تشرف السنة على انقضائها، بحصيلة سينمائية متواضعة، إن كان ذلك على مستوى الكم أو على مستوى الكيف. حصيلة فاق عدد المحاولات الفاشلة فيها، عدد المحاولات الصائبة. سنة عصيبة، وخطوة جديدة إلى الوراء في انتظاراتنا السنوية من صناع السينما في تونس على جميع المستويات، لعلّ أهمّها هذه السنة هو السيناريو. سنة تمضي، تغيرت فيها مرة أخرى مقاييسنا لما يمكن أن يكون فيلما جيدا في تونس، وأصبحنا لا نطالب سوى بالأدنى والأساسيات التي لا تتوفر أحيانا.

قائمتنا لهذا العام، تجمع بين أعمال سينمائية ناجحة على مستويات عدّة، لعلّ أهمّها الصورة في جميع أبعادها تقريبا، والتي تختلف بين إطار مرتعش ومضطرب، وإطار آخر مرسوم بشكل مثالي، وآخر بسيط وفعّال وأخير يتماشى مع لحظات الرعب والوحشة. في النهاية، من الممكن أن نقول بأنّ الصورة هي أكثر عامل تم إتقانه، والأهم من ذلك تطويعه إلى طبيعة المواضيع المطروحة في الأفلام.

ككلّ عام، تتخذ الأفلام القصيرة المرتبة الأكبر على مستوى العدد، لكنها كثيرا ما تقدم لنا انطباعات سيئة عن المخرجين الذي يقومون بأفلام لمجرد الرغبة في إخراج فيلم فقط، دون أن يعكس أغلبها تصورا أو رؤية واضحين للفعل السينمائي. عشرات الأفلام القصيرة، يتميّز من بينها فيلم "على الخط" لفوزي الجمل، الذي مسك خلاله بخط واضح منذ البداية إلى النهاية، دون أن يكون به أيّ اضطراب لا على مستوى الشكل ولا على مستوى السيناريو. يمكن أن يكون هذا الفيلم، درسا صغيرا في ما معنى أن نتحكّم بفيلم منذ لقطته الأولى إلى خاتمته وهي ميزة من ميزات كبار المخرجين، ليست مشهدا عاديا نراه كلّ يوم خاصة في السينما التونسية. الموسيقى التصويرية، التمثيل، الإضاءة وطبيعة الصورة، تجتمع معا لتكون نقاط الفيلم القوية، تسير معا في تناغم كبير لتسرد قصة قصيرة في الزمن، بعض الساعات بعد يومين من 14 جانفي، لكنّها في نفس الوقت، سيرة طويلة امتدت على سبع سنوات، من الاضطرابات الدائمة والرعب المتواصل والشعارات الزائفة والظلم. بقليل من الكلام، وبغوص تام في تفاصيل القصة التي تعيشها رملة، نجحت المعالجة التقنية للفيلم في عكس صورة غارقة في الواقعية، هي هذه الثورة المجهضة التي تموت مع أمل أن تتجدّد روحها في زمن آخر قريب. يقع "على الخط" في أوّل الترتيب، لأنّه فيلم متوازن وذكي، كان قادرا على الإلقاء بنا في لعبة محكمة القواعد، ينتهي هو، ولا نخرج نحن منها سوى بعد فترة.

 

 

 

في كلّ عام هناك استثناء، واستثناء هذه السنة هو بدون منازع "لقشة مالدنيا"، الذي اتجه به نصرالدين السهيلي نحو كلّ ما لم يقل وما لم يتم تصويره. إذا أردنا الحديث عنه سينمائيا، هو فيلم عمّا لم تطأه أقدام السينما في تونس، هو صورة مالا يمكن أن تحتمله صورة، وصوت من تعلو أصواتهم فلا نسمعها، وهو نقطة التقائنا بمن لا تجمعنا بهم أقدار أو صدف. نحن أمام كاميرا ذات موقفين، هي مع الجميع ولا تتبنى موقف أحد في آن. الكاميرا، شاهد على البشاعة في كلّ تجلياتها من عنف ووهن وتهميش، وعلى الجمال في أجمل حالاته بين العطف والحب والرقص على أنغام قصة متخيلة بين حبيب وحبيبه. في "لقشة مالدنيا"، نحن في القاع، أين نجد عالما تتجلى فيه الإنسانية في أبهى حلّتها وفي أقصى مراحل رقيّها، عالم لا مجال فيه للأحكام المسبقة ولا للإقصاء مهما كانت الأسباب. بهذا الفيلم، نجح نصرالدين السهيلي في كتابة سطر جديد لسينما مختلفة في تونس، يعلو فيها الواقع عن كل الاعتمادات الأخرى، تتجه مباشرة نحو الحقيقة في وضعها الخام لتتخذ المعالجة السينمائية شكل هذه الحقيقة دون مساحيق تجميل. لقشة مالدنيا هو دون شك، الفيلم الحدث ليس فقط لعام 2018 إنّما للعشرية الأخيرة للسينما التونسية.

 

 

بين مواضيع الإرهاب والسينما الاجتماعية المستجدية للمهرجانات العالمية، يقدّم فيلم "في عينيا" نفسه كعمل متكامل لا يطمح سوى للمراهنة على شكل سينمائي جديّ ومحترم. فيلم يتحدى به نجيب بالقاضي نفسه أوّلا في قدرته على التنويع والانتقال إلى أشكال سينمائية مختلفة حدّ التناقض، ويتميّز به وسط مشهد سينمائي متشابه شكلا ومضمونا. بكتابة جدية ومعالجة محكمة في أغلب مراحل الفيلم، يروي بالقاضي قصة أب في علاقته بابنه الذي يعاني من التوحد، كلّ هذا، وسط متاهة متفرعة من مجتمع رجعي في نظرته لهذه الحالة ومحافظ في علاقته بالمرأة. تتفرع في الفيلم مجموعة أخرى من المواضيع التي تتطرق لها المخرج بكلّ أناقة واقتضاب، دون تطويل كاذب أو تجاهل ساذج، ليسرد لنا قصة متكاملة المعالم بنسيج قوي ومترابط، كان الحوار فيه دافعا أساسيا ونقطة قوة. كلّ هذا، وقد راهن بالقاضي بقوة على عوامل كسب فيها الرهان، كما أمرين أساسيّين، التمثيل والصورة. يمكن أن يبقى ببالنا الكثير من "في عينيا"، لكن أكثر ما يمكن أن نتذكّره، هو أنّه فيلم يخلق علاقة مباشرة بالمتفرّج، به احترام كبير للمشاهد ولذكائه، أمر أنجحه كلّ من السيناريو والتركيب، الذين خلقا مساحة للمشاهد يصنع فيها تاريخا للشخصيات، يتطابق مع الملامح الراهنة التي نراهم عليها خلال الفيلم. رغم اختلافه عن بقية أعماله، هو لا يمكن أن يكون سوى فيلما لنجيب بالقاضي الذي لا يتخلى عن التجريب في أفلامه، وعن المحاولات التي يمكن لها أن تنجح ويمكن أن تمر مرور الكرام، لكن الأكيد أنّها لمسة من ذات المخرج كمحبّ للسينما قبل أن يكون صانعا لها.

 

 

لا يمكن أن ننكر أنّ فكرة الحديث عن فيلم رعب تونسي، كانت مسألة مثيرة للعديد من ردود الأفعال، بين التساؤل والتعجب والاستهزاء، كانت تثير كل أنواع المشاعر إلا اتخاذ الأمر بجدية. يعود هذا إلى فشل التجارب السابقة في العالم العربي وسذاجتها، وإلى استيلاء هوليوود على هذه الفكرة التي لم يعد بإمكاننا إعادتها إلى خانتها الأصلية، سينما المؤلف.

مافعله عبد الحميد بوشناق بفيلم "دشرة"، هو قلب كلّ هذه القواعد، من خلال تقديم عمل أكثر من مهمّ، بجديّته وذكائه. لا يتخّذ دشرة فقط موقعا جماليا في إنتاجات هذه السنة، إنّما يتخّذ موقعا تاريخيا في السينما التونسية والعربية ككلّ، من خلال بروزه كعمل جدي ونوعيّ. بهذا الفيلم، حقّق بوشناق معادلة غارقة في الصعوبة، وهي كيفية إنجاز فيلم من نوعه، دون الاستناد على أية مرجعيات سينمائية تونسية أو عربية قائمة الذات، وكان أمام المهمة الأصعب، وهي خلق فيلم رعب بكل ما تحمله الكلمة من مقاييس، ليكون هو في حد ذاته مرجعا لمحاولات قادمة في هذا المجال.

يكمن ذكاء "دشرة" في قدرة مخرجه على جعل هذا الفيلم، فيلما تونسيا بالأساس، لقيامه على قصص تونسية وان كانت مشتركة مع مجتمعات أخرى، ليكون عملا قريبا من أذهاننا ومن أعيننا أيضا من خلال تجسيده المتقن لكلّ الصور التي نتخيلها عن القصص التي نستمع إليها منذ الطفولة دون أن نراها. امتحان صعب، اجتازه عبد الحميد بنجاح، من خلال اهتمامه بكل تفاصيل الديكور والصوت والصورة، وبكتابة حرفية متقنة واختيار ناجح للممثلين. راهن بوشناق بكل شيء وعلى كلّ شيء، راهن بالإمكانيات المحدودة جدا التي دخل بها في هذه التجربة وعلى الإمكانيات اللامتناهية لفريقه الفني والتقني، وقد قدّم لنا أخيرا عملا جديرا بالاحترام والإعجاب.

 

 

إذا أمكن الحديث عن مخرج وفيّ لنفسه وللسينما الخاصة به، سنتحدّث طبعا عن محمد بن عطية، عن هالة البساطة التي تمتد على "نحبك هادي" وتتأصّل في "ولدي" هذه السنة. رغم كل ما يمكن أن ينتاب السيناريو من تشوهات تجعل الأمور ضبابيّة في أعيننا أحيانا، أو تقودنا إلى طرح أكثر ممّا يجب طرحه من أسئلة حول النسق الدرامي لأي فيلم، إلّا أنّه نجح في إيصال نسخة واقعية عن سيرة عادية لعائلة أكثر من عادية، بكل هدوء وحكمة في المعالجة، لينتهي أخيرا إلى فكرة من شأنها أن تكون وجهة نظر هامّة، هي أنّ ما يقودنا لاتخاذ قرارات كبرى ومصيرية، ليست بالضرورة أسباب عظيمة، بل أنّ وقع ما نعتبره تافها وصغيرا، يمكن أن يكون كوقع ما نعتبره كارثة كبرى. دون تعسّف على الصورة ومحتوياتها، أنجز محمد بن عطية فيلما جديرا بالمشاهدة والاهتمام.

 

 

شيماء العبيدي
Publié par: 
Misk
Date de publication: 
Jeudi, décembre 20, 2018 - 13:30